ابراهيم الأبياري

360

الموسوعة القرآنية

وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ، ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان ، وخفى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ، كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذب المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب اللّه ثلمة ليسدها من بعدهم ، وخرقا يرفوه من لحق بهم . وقيل : هو عطف على بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة ، وهم الأنبياء . وفي مصحف عبد اللّه ( والمقيمون ) بالواو ، هي قراءة مالك بن دينار ، والجحدري ، وعيسى الثقفي . وقال الزمخشري « 1 » : وَأَكُنْ ( المنافقون : 10 ) عطفا على محل « فأصدق » . كأنه قيل : إن أخرتنى أصدق وأكن . ومن قرأ « وأكون » على النصب ، فعلى اللفظ . وقرأ عبيد بن عمير « وأكون » على الرفع ، وتقديره : وأنا أكون ، عدة منه بالصلاح » . وقال الزمخشري « 2 » : ( إنّ هذان لساحران ) ( طه : 63 ) : قرأ أبو عمرو : ( إنّ هذين لساحران ) ، على الجهة الظاهرة المكشوفة . وابن كثير وحفص : إنّ هذان لساحران ، على قولك : إن زيد لمنطلق . واللام هي الفارقة بين « إن » النافية والمخففة من الثقيلة . وقرأ « أبىّ » : إنّ ذان إلا ساحران . وقرأ ابن مسعود : أن هذان ساحران ، بفتح أن وبغير لام ، بدل من « النجوى » . وقيل في القراءة المشهورة - وهو يعنى المصحف الإمام - إنّ هذان لساحران ، هي لغة بلحارث بن كعب ، جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التي آخرها ألف ، كعصا وسعدى ، فلم يقلبوها في الجر والنصب . وقال بعضهم : « إنّ » بمعنى : « نعم » و « ساحران » خبر مبتدأ محذوف ، واللام داخلة على الجملة ، تقديره : لهما ساحران ، وقد أعجب به أبو إسحاق . وها أنت ذا ترى في كلام الزمخشري دليلا جديدا يؤيد ما قلنا من قبل عن القراءات السبع في القرآن وأنها لغات العرب جاءت مبثوثة في القرآن ، وبها كلها يتجه الكلام . وأما ما جاء معزوّا إلى عائشة ، فما نظن عائشة تسكت على خطأ الكتّاب في كتاب اللّه وترضى به يشيع ويخرج عن المدينة إلى الأمصار ، ولم تكن بعيدة عن عثمان ولا عن الصحابة الكاتبين ، وما نظنها كانت أقل منهم حرصا على سلامة كتاب اللّه ، وحسبك ما قدمه الزمخشري في هذه .

--> ( 1 ) الكشاف ( 4 : 544 ) . ( 2 ) الكشاف ( 3 : 72 ) .