ابراهيم الأبياري

357

الموسوعة القرآنية

إلى ما انتهى إليه ، ولم يطمئن إليه اطمئنانه إلا بعد أن آزرته عليه الكثرة . وبعد هذا كله وقف عثمان موقفه الحازم القاطع فألزم الأمصار بالمصحف الإمام ، ثم أحرق ما عداه . ومعنى هذا أنه لا رجعة إلى هذا الخلاف ، ولا سبيل إلى الرّجعة إليه ، إذ لو صحّ أن ثمة شكّا وقع في روع عثمان لما كان منه هذا القرار الحازم القاطع . ولعلك تذكر ما كان من مروان من إحراقه مصحف حفصة ، الذي كان مرجعا من مراجع الإمام . ولقد أراد من هذا ألّا يكون ثمة رجعة إلى الوراء تثير هذا الخلاف في كتاب قال فيه تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 1 » . وبعد ما يقرب من قرن إلا قليلا يطالعنا ابن عامر بمؤلفه في اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق ، أو قل بعد أن اختفى جيل القرّاء الأول والثاني والثالث من الميدان ، وبعد أن نفض أصحاب المصحف الإمام أيديهم من أدلّتهم واطرحوها وأحرقوها ، بعد هذا كله تثار قضية لا تكافؤ فيها ، أدلتها الخلافيّة قطع فيها بالرأي ، واستبعد شئ لا يستقيم ، وأقيم مقامه شئ مستقيم . وإنا من أجل هذا من القائلين - لا خوفا على ما بين أيدينا - بأن إثارة مثل هذا ليست نوعا من الدّراسة ، فتلك دراسة بتراء لا تملك أسلوبها العلمي الصّحيح . ولقد كنا نرحّب بها لو كانت شيئا جديدا لم تعرفه البيئة الأولى حين حكمت في أمره ، بل لقد كان شيئا معهودا للبيئة الأولى تعرفه وتعرف أكثر منه ، ولقد حكمت فيه وفرغت منه ، فإثارته بعد هذا ليكون شيئا يدرس نوع من الكيد ، ولو كنا نملك لعفّينا آثاره كما عفا عثمان آثارا مثله ، ولن نكون معها متجنّين أو متعسفين أو خائفين ، بل نكون مع الحزم الذي اتصف به « عثمان » وناصره عليه « علىّ » ، واجتمع معه في الرأي عليه اثنا عشر صحابيّا ، جمعهم عثمان لهذا العمل الجليل . وما أصدقها كلمة جرت على لسان أبى بكر السّجستانى في ختام عرضه لمصحف « أبىّ بن كعب » حين يقول : لا نرى أن يقرأ القرآن إلّا بمصحف عثمان الّذى اجتمع عليه أصحاب النّبى صلى اللّه عليه وسلم ، فإن قرأ إنسان بخلافه في الصّلاة أمرته بالإعادة . ولقد جاء في المصحف الإمام من الرسم القديم ، ما كان مظنة اللبس ، ولقد رأى عثمان أن ألسنة العرب تقيمه على وجهه ، وإن بدا على غير وجهه ، فلم يعرض له ، ولعل هذا هو تفسير ما عزى إلى عثمان حين قال :

--> ( 1 ) الحجر : 9 . ( م 5 - الموسوعة القرآنية - مجلد 1 )