ابراهيم الأبياري

354

الموسوعة القرآنية

إذن فقد كان مصحف أبى بكر وعمر أوّل مصحف رسمىّ جمعه زيد بن ثابت لهما في ظلّ هذا التحرّى الدقيق ، الذي كان أبو بكر وعمر من ورائه . غير أن هذا المصحف الرّسمى لم يأخذ طريقه الرسمي إلى الأمصار ، ولعل مقتل عمر هو الذي أخّر ذلك . والمرحلة الثالثة والأخيرة هي المرحلة التي تمت على يد عثمان ، وكانت تتمّة للمرحلة الرّسميّة التي بدأت في عهد أبى بكر وشاركه فيها عمر . فلقد وقع الذي كان يخشاه عمر ، والذي فكّر من أجله في هذا الجمع الرسمي ، وعجل به القتل عن أن يمضى فيه إلى آخره . فلقد مرّ بك كيف استقل كلّ مصر بمصحف ، وكانت مصاحف فردية لم يجتمع لها ما اجتمع لمصحف أبى بكر الذي انتهى إلى حفصة ، ثم انتهى إلى عثمان ، من جهد جماعىّ مستوعب ، ولقد سعى « على » جهده ، وسعى « أبىّ » جهده ، وسعى « ابن عباس » جهده ، وسعى « جعفر الصادق » جهده ، ولكن هذه الجهود لو تلاقت كما تلاقت حياة أبى بكر وعمر لخضعت لتعديل كثير ، ودليلنا على ذلك أنه لما خرج إلى الأمصار مصحف عثمان دان الناس لتحريره قبل أن يدينوا لسلطان الخليفة ، وما يستطيع أحد أن يظن بالمسلمين اللّين والضّعف عن أن يقفوا لأقوى الخلفاء يلزموه رأيهم ، إن كانوا يعرفون أنهم على الحق وأن الخليفة على غير الحق في مثل هذا الأمر الدينىّ الجلل ، ولكن انصياع المسلمين في الأمصار كلها لمصحف عثمان ، وما كان عثمان بالعنيف ، يدلّك على أن المصحف العثماني خرج من إجماع اطمأنت القلوب إليه . ويروى أبو بكر السّجستانى بسند متّصل عن « على » في المصاحف وحرق « عثمان » لها : « لو لم يصنعه عثمان لصنعته « 1 » » . ولقد كان « على » صاحب مصحف اختفى بظهور مصحف عثمان . ولكن هذا لم يمنعه من نصرة الحق الذي جاهد من أجله حياته كلها . والذي قبله « علىّ » قبله « ابن مسعود » ، ولكن بعد لأي « 2 » ، وقبله يعد هذين كثيرون من الصحابة . يروى أبو بكر السّجستانى بسند متّصل عن مصعب بن سعد ، قال : أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف ، فأعجبهم ذلك ولم ينكر ذلك منهم أحد .

--> ( 1 ) المصاحف : ( ص : 12 ) . ( 2 ) المصاحف : ( ص : 18 ) .