ابراهيم الأبياري
353
الموسوعة القرآنية
فهذه وتلك تدلانك على أن الكتّاب كانوا يكتبون بإملاء الرسول ، وأن هذا المكتوب كان يتناقله الناس . والثانية من تلك المراحل : ما كان من عمر مع أبي بكر حين استحرّ القتل بالقرّاء في « اليمامة » ، وما انتهى إليه الرأي بين أبى بكر وعمر في أن يكلا إلى زيد بن ثابت جمع المصحف ، لتكون معارضة بين ما هو مكتوب في الألواح وبين ما هو محفوظ في الصّدور ، قبل أن تأتى الحروب على حفظة القرآن ، فما من شكّ في أن الاثنين يكمّل أحدهما الآخر ، لمن أراد أن يبلغ الكمال والدّقة والضبط . وما يمنع من هذا الذي فكّر فيه عمر أن يكون هناك جمع سابق على يد نفر من الصحابة ، مثل ما فعل « علىّ » ومثل ما فعل « ابن مسعود » ، ومثل ما فعل « ابن عباس » ، ومثل ما فعل غيرهم . وما كان هذا يغيب عن « عمر » ولكن كان ثمّة فرق بين ما فكّر فيه « عمر » وما سبق بعض الصحابة به ، فلقد كان الرأي عند « عمر » أن يبادر في ظلّ وجود القرّاء إلى إيجاد مصحف رسمىّ بتكليف من الخليفة ، والخليفة أقوى على حشد الجهود العظيمة لهذا العمل العظيم . ولقد أحسّ زيد بثقل المهمة التي أرادها عمر ، وأرادها معه أبو بكر ، فأبو بكر وعمر لم يريدا عملا فرديّا يحمل عبأه فرد واحد ، وإنما أراد عملا جماعيّا تحمل عبأه الخلافة وباسم الخلافة يصدر . من أجل ذلك قال زيد : فو اللّه لو كلّفونى نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علىّ ممّا كان أمروني به من جمع القرآن . ومن أجل ذلك مضى زيد يتحرّى ، لم يكتف بما في صدره وما بين يديه ، بل لقد تلمّس آية يفقدها فوجدها عند رجل من الأنصار يدوّنها ، وهي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ « 1 » . ومن أجل ذلك قال أبو بكر لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت : اقعدا على باب المسجد فمن جاء كما بشاهدين على شئ من كتاب اللّه فاكتباه . ومن أجل ذلك لم يقعد زيد عن السّعى ليجد آخر المطاف آخر سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت .
--> ( 1 ) الأحزاب : 23 . ( م 23 - الموسوعة القرآنية - ج 1 )