ابراهيم الأبياري
352
الموسوعة القرآنية
وكان ثمة خلاف بين هذه المصاحف ، وهذا الخلاف ، وهذا الخلاف هو الذي شهد به حذيفة حين كان مع الجيش في فتح أذربيجان . وهذا الخلاف هو الذي فزع من أجله عثمان فنهض يجمع أصول القرآن ويجمع إلى هذه الأصول الحفظة الموثوق بهم . فثمة مراحل ثلاث مرّ بها تدوين المصحف : أولى هذه المراحل : تلك التي كانت في حياة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فلقد كان من حوله كتّابه يكتبون ما يملى عليهم ، وكان الرسول حريصا على ألّا يكتب عنه غير القرآن ، حتى لا يلتبس به شئ آخر . ويروون عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : لا تكتبوا عنّى شيئا سوى القرآن ، فمن كتب عنى شيئا سوى القرآن فليمحه . ولم يترك رسول اللّه دنياه إلى آخرته إلا بعد أن عارض ما في صدره على ما في صدور الحفظة الذين كانوا كثرة ، وحسبك ما يقال عن كثرتهم أنه في « غزوة بئر معونة » قتل منهم - أي من القراء - سبعون . ثم حسبك عن كثرتهم أنه كانت منهم سيّدة ، هي أم ورقة بنت عبد اللّه بن الحارث ، وكان رسول اللّه يزورها ويسميها الشهيدة ، وكانت قد جمعت القرآن ، وقد أمرها رسول اللّه أن تؤم أهل دارها « 1 » . ثم حسبك دليلا على أن القرآن كتب في حياة الرسول ، وأنه كتب في صحّة وضبط ، ما رواه البراء مع نزول قوله تعالى : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ « 2 » قال الرسول : ادع لي زيدا وليجئ باللّوح والدّواة والكتف ، ثم قال : اكتب « لا يستوى » أي إن الرسول كان يملى على كاتبه لساعته . ثم لعلّك تذكر في إسلام عمر أن رجلا من قريش قال له : أختك قد صبأت - أي خرجت عن دينك - فرجع إلى أخته ودخل عليها بيتها ولطمها لطمة شجّ بها وجهها . فلما سكت عنه الغضب نظر فإذا صحيفة في ناحية البيت فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 3 » واطّلع على صحيفة أخرى فوجد فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ : طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى « 4 » فأسلم بعد ما وجد نفسه بين يدي كلام معجز ليس من قول بشر .
--> ( 1 ) الطبقات الكبرى ، لابن سعد . ( 2 ) النساء : 95 . ( 3 ) الحديد : 1 . ( 4 ) طه : 1 .