ابراهيم الأبياري

325

الموسوعة القرآنية

وفكرا واعيا ، ووهبه من الثانية صدق لسان ، وطهارة ذيل ، وعفة بصر ، وأمانة يد ، ورحمة قلب ، ورقّة وجدان ، ونبل عاطفة ، ومضاء عزيمة ، ورحمة للناس جميعا . وكان اختيار اللّه له أميّا لا يقرأ ولا يكتب يضيف إلى إذعان الناس له وإيمانهم برسالته سببا يفسره تعالى في قوله : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ « 1 » . ويبيّنه صدور هذا الوحي على لسانه يتلوه على قومه بكرة وعشيّا ، ولا تبديل فيه ولا تغيير ، وما يقوى على مثلها إلا من يملك أسفارا يعود إليها ليستظهر ما فيها . وليس في منطق الرسالات أن تكون الحجّة للناس عليها ، بل لا تطالع الناس إلا والحجّة لها عليهم ، كما لا تطالعهم إلا وفي صفحاتها الجواب على كل ما يصوّره لهم تصوّرهم ، تحوط السماء رسالاتها بهذا كله لكيلا يكون للناس على اللّه حجة ، وليكون منطق الرسالات من منطق الناس ، لا تلتوى عليهم الرسالة فيلتووا هم عليها . ولم يكن اختيار محمد صلى اللّه عليه وسلم قارئا وكاتبا شيئا يعزّ على السماء ، ولكنه كان شيئا إن تمّ يهوّن من حجّة السماء في نفوس الناس ، وكانوا عندها يملكون أن يقولوا باطلا ما حرص القرآن على ألا يقولوه : من أن هذا الذي جاء به الرسول قد أخذه من أسفار سابقة . وهذه التي ألزمتها حجة السماء السلف من قبل ، فأذعنوا لها عن وعى وبصر - وأعنى بها أمية الرسول - أراد أن يثيرها نفر من الخلف من بعد ليخرجوا على حجة السماء عن غير وعى ولا بصر . غير أننا نفيد من هذا الذي يريد الخلف أن يثيروه تأكيد المعنى الذي قدّمناه من أن حجة السماء تجىء أشمل ما تكون بشكوك العقول ، محيطة بكل ما يصدر عنها ، يستوى في ذلك أولهم وآخرهم . وقد ننسى ، مع هؤلاء المخالفين الطاعنين ، تقرير القرآن الصادق عن أمية محمد والادلّة القائمة في ظلّ القرآن على ذلك ، قد ننسى هذا وذاك لنسائلهم : أي جديد يفيدهم هذا - إن صح - وقد مضى على رسالة محمد ما يقرب من أربعة عشر قرنا خطا فيها العلم والبحث خطوات سريعة ، وما وجدنا شيئا ينال من هذه الرسالة من قرب أو من بعد ، جهر به أو أسرّ من يريدون أن يجعلوا محمدا قارئا كاتبا ، وأن يجعلوا من هذا سببا إلى أنه نقل عن أسفار سابقة .

--> ( 1 ) العنكبوت 48 .