ابراهيم الأبياري

324

الموسوعة القرآنية

ولقد عثر الباحثون على الكتابين المرسلين من النبىّ إلى المقوقس وإلى المنذر بن ساوى ، والكتاب الأول محفوظ في دار الآثار النبوية في الآستانة ، وكان قد عثر عليه عالم فرنسىّ في دير بمصر قرب أخميم ، والكتاب الثاني محفوظ بمكتبة فينا . ومن قبل هذه الأدلة يقول تعالى في الرسول : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ « 1 » . ويقول تعالى في الرسول أيضا : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ « 2 » . ولم تكن البيئة العربية على هذا بيئة كاتبة قارئة ، بل كان ذلك فيها شيئا يعد ويحصى ، وكان حظّ المدينة من ذلك دون حظ مكة ، ولم يكن في المدينة حين هاجر إليها الرسول غير بضعة عشر رجلا يعرفون الكتابة ، منهم : سعيد بن زرارة ، والمنذر بن عمر ، وأبي بن وهب ، وزيد بن ثابت ، ورافع ابن مالك ، وأوس بن خولى . ولقد أحس الرسول ذلك بعد هجرته إلى المدينة ، فكان أول ما فعله بعد انتصاره في « بدر » وأسره من أسر من رجال قريش القارئين الكاتبين ، أن جعل فدية هؤلاء أن يعلّم كلّ رجل منهم عشرة من صبيان المسلمين ، وبهذا بدأت الكتابة تروج سوقها في المدينة . حتى إذا كان عهد عمر بن الخطاب أمر بجمع الصّبيان في المكتب ، وأمر عبد عامر بن عبد الخزاعىّ أن يتعهّدهم بالتعليم ، وجعل له رزقا على ذلك يتقاضاه من بيت المال . وكان المعلّم يجلس للصبيان بعد صلاة الصّبح إلى أن يرتفع الضحى ، ومن بعد صلاة الظهر إلى صلاة العصر . وحين خرج عمر إلى الشام وغاب عن المدينة شهرا استوحش إليه الناس ، وخرج صبيان المكتب للقائه على مسيرة يوم من المدينة ، وكان ذلك يوم الخميس ، ورجعوا معه إلى المدينة يوم الجمعة ، وقد انقطعوا عن المكتب يومين أجازهما لهم عمر ، وكانت بعد ذلك عادة متبعة « 3 » . وحين اختار اللّه لرسالته « محمدا » اختار فيه صفات حسّية وصفات معنوية . أمدّهما به وطبعه عليهما ، فوهبه من الأولى نفسا قوية ، وروحا عالية ، وقلبا كبيرا ، وذهنا وقّادا ، وبصيرة نفاذة ، ولسانا مبينا ،

--> ( 1 ) الأعراف : 156 . ( 2 ) العنكبوت : 48 . ( 3 ) عنوان البيان ، الفواكه الدواني على رسالة أبى زيدون القيرواني .