ابراهيم الأبياري

297

الموسوعة القرآنية

حين يستشار ويشير . والنفس إن ملكت الصدق والأمانة ملكت ما بعدهما من كل ما هو محمود من الصفات ، وهكذا كان محمد قبل أن يبعثه اللّه رسولا . ولقد حبّب إلى محمد التحنث والتحنف شأن الصادفين عن متاع الحياة ، العازفين عن لينها المفضى إلى الاستنامة إليها ، فكان يعتكف في حراء - جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال منها - شهرا من كل سنة ، يجعله خالصا لعبادة ربه على ما رسم إبراهيم ، ومن بعده إسماعيل عليهما السلام . وبقي محمد على هذا الذي أخذ به نفسه يختلف إلى غار حراء شهرا من كل عام ، إلى أن كانت السنة التي اختاره اللّه فيها رسولا لرسالته ، وكان عندها في الأربعين من عمره . وهكذا كان محمد حين دبت قدماه على أرض مكة من الجزيرة العربية محط الأبصار ، وشغل الأفكار ، حاطه ربه باليمين وليدا ، إيذانا منه لعباده بما سيؤهله له ، وصانه عن اللهو العابث صبيّا ليرتفع به عما يتدنى فيه غيره كي يمهد لإجلاله ، وأجرى الصدق على لسانه ، وبسط بالأمانة يديه ، وملأ بالرحمة قلبه ، وبالحكمة رأسه ، ليرى الناس فيه ما يفقدون من صفات فيلتفوا حوله اليوم تمهيدا لالتفافهم حوله في غد . وحين استوى محمد شابّا ، واستوت باستوائه صفات الكمال كلها فيه ، رأى الناس أنهم بين يدي عجب استعصى على عامتهم تأويله ، ولم يستعص على خاصتهم من أولى الكتاب ، فعرفوا أنه النبي المرتقب . ومضى محمد في طريقه المرسوم يهيئه اللّه لتلقى ما سوف يوحى به إليه . فغدا لا يرى في منامه رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح ، وغدت الخلوة