علي بن يوسف القفطي
97
إنباه الرواة على أنباه النحاة
وبعد ؛ فليس للملوك ما يسلَّى به خاطره ، ويعزّى به قلبه وناظره ، إلَّا التّعليل بإزاحة العلل ، إذا هو بالحضرة الشريفة مثل . فاسلم ودم وتملّ العيش في دعة * ففي بقائك ما يسلى عن السّلف ( 1 ) . فأنت للمجد روح ، والورى جسد * وأنت درّ فلا نأسى على الصّدف والمملوك الآن بالموصل مقيم ، يعالج ممّا حزبه ( 2 ) من هذا الأمر المقعد المقيم ، يزجى وقته ، ويمارس حرفته ( 3 ) وبخته ، تكاد تقول له باللسان القويم : * ( تَالله إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ) * ( 4 ) يذيب نفسه في تحصيل أغراض ، هي لعمر اللَّه أعراض ، من صحف يكتبها ، وأوراق يستصحبها ، نصبه فيها طويل ، واستماعه بها قليل ، ثمّ الرحيل . وقد عزم بعد قضاء نهمته ( 5 ) ، وبلوغ بعض وطر قرونته ( 6 ) ، أن يستمدّ التوفيق ، ويركب سنن الطريق ، عساه يبلغ أمنيّته من المثول بالحضرة ، وإتحاف بصره من خلالها ولو بنظرة ، ويلقى عصا التّرحال بفنائها الفسيح ، ويقيم تحت ظلّ كنفها إلى أن يصادفه الأجل المريح ، وينظم نفسه في سلك مماليكها بحضرتها ، كما ينتمى إليها في غيبتها ، إن مدّت السعادة بضبعه ، وسمح له الدّهر بعد الخفض برفعه ، فقد ضعفت قواه عن درك الآمال ، وعجز عن معاركة الزّمان والنزّال ، إذ ضمّت البسيطة إخوانه ، وحجب الجديدان أقرانه ، ونزل المشيب بعذاره ،
--> ( 1 ) كذا في ب وابن خلكان ، وفي الأصل : « ما أسلى عن السلف » . ( 2 ) ابن خلكان : « لما خرّبه » . ( 3 ) الحرفة : الحرمان . ( 4 ) سورة يوسف 95 . ( 5 ) النهمة : الحاجة . ( 6 ) القرونة ؛ بفتح القاف : النفس .