علي بن يوسف القفطي
93
إنباه الرواة على أنباه النحاة
المفقودة ، فأقبل عليها إقبال النّهم الحريص ، وقابلها بمقام لا يزمع عنها معه محيص ، فجعل يرتع في حدائقها ، ويستمتع بحسن خلقها وخلائفها ، ويسرّح طرفه في طرفها ، ويتلذّذ بمبسوطها ونتفها ، واعتقد المقام بذلك الجناب ، إلى أن يجاور التّراب : إذا ما الدهر بيّتنى بجيش * طليعته اغتمام واكتئاب ( 1 ) . شننت عليه من جهتي كمينا * أميراه الذّبالة والكتاب وبتّ أنصّ من شيم اللَّيالى * عجائب في حقائقها ارتياب بها أجلى همومي مستريحا * إذا جلَّى همومهم الشّراب ( 2 ) إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب ، والويل المبير والتّباب . وكانت لعمر اللَّه بلادا مونقة الأرجاء ، رائقة الأنحاء ، ذات رياض أريضة ( 3 ) ، وأهوية صحيحة مريضة ، قد تغنّت أطيارها ، فتمايلت طرّبا أشجارها ، وبكت أنهارها ، فتضاحكت أزهارها ، وطاب روح نسيمها ، فصحّ مزاج إقليمها ، فلعهدى بتلك الرّياض الأنيقة ، والأشجار المتهدّلة الوريقة ، وقد ساقت إليها أرواح الجنائب ، زقاق خمر السّحائب ، قسقت مروجها مدام الطَّلّ ، فنشأ عن ( 4 ) أزهارها حباب كاللؤلؤ المنحلّ ، فلما رويت من تلك الصّهباء أشجاره ، رنّحها النّسيم وخماره ( 5 ) ، فتدانت ولا تدانى المحبّين ، وتعانقت ولا عناق العاشقين ،
--> ( 1 ) ابن خلكان : « واغتراب » . ( 2 ) ابن خلكان : « كما جلى » . ( 3 ) أريضة : معجبة للعين رك ية . ( 4 ) ابن خلكان : « على » . ( 5 ) الخمار : بقية السكر ، وفي ابن خلكان : « رنحها من النسيم وخماره » .