علي بن يوسف القفطي
94
إنباه الرواة على أنباه النحاة
يلوح من خلالها شقائق قد شابها ( 1 ) اشتقاق الهواء العليل ، فشابّه شفتى غادتين دنتا ( 2 ) . للتقبيل ، وربّما اشتبه على النّحرير بائتلاق الجمر ، وقد انتابه رشاش من القطر ، ويريك من بهار يبهر ناضره ( 3 ) ، فيرتاح إليه ناظره ( 4 ) ، كأنّه صنوج ( 5 ) العسجد تصفّق ، أو دنانير من الإبريز تبرق ، ويتخلَّل ذلك أقحوان ( 6 ) ، تخاله ثغرا لمعشوق إذا عضّ خدّ عاشق ، فلله درّها من نزهة وامق ، ولون رائق ! وجملة أمرها ( 7 ) أنّها كانت أنموذج الجنّة بلامين ، فيها ما تشتهى الأنفس وتلذّ العين ، قد اشتملت عليها المكارم ، وارحجنّت ( 8 ) في أرجائها بالخيرات ( 9 ) الفائضة للعالم ، فكم كان فيها من حبر راقت حبره ، ومن إمام توّجهت جباه الإسلام سيره ، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة ، وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة ، وإلى كلّ قطر مجلوبة . فما من متين علم ، وقويم رأى ، إلَّا ومن مشرقهم مطلعه ، ولا من ( 10 ) مغرّبة فضل إلا وعندهم مغربه وإليهم منزعه ، وما تشاء من كرم أخلاق بلا اختلاق إلَّا وجدته فيهم ، ولا إعراق ( 11 ) . في طيب أعراق إلا اجتنيته من معانيهم ، أطفالهم رجال ، وشبّانهم أبطال ، ومشايخهم
--> ( 1 ) شابه : خالط . ( 2 ) في الأصلين : « دنوا » ، والصواب ما أثبته من ابن خلكان . ( 3 ) في الأصلين : « فيبهره ناظره » ، والصواب ما أثبته من ابن خلكان . ( 4 ) سافط من ب . ( 5 ) الصنوج : جمع صنجة ، وهو العيار يتخذ من صفر ، يضرب أحدهما على الآخر . ( 6 ) الأقحوان ، بضم الهمزة : نبات له زهر أبيض في وسطه كتلة صغيرة صفرّاء . ( 7 ) كذا في ابن خلكان ، وفي الأصلين : « فإنها » . ( 8 ) ارحجنت : اهتزت . ( 9 ) ابن خلكان : « الخيرات » . ( 10 ) ابن خلكان : « معرفة » . ( 11 ) إعراق : مصدر أعرق الرجل ، إذا كان عريقا ، أي أصيلا .