علي بن يوسف القفطي
82
إنباه الرواة على أنباه النحاة
فيه أمورا لم يخلّ حدسى فيها ، وعلمت أنّه لا يصلح للعشرة . وسافر عن حلب ، وعاد إليها دفعة أخرى في شهور سنة ثلاث عشرة وستمائة ، وأحضر معه كتبا ذكر أنها وديعة لغيره ، كان في بعضها الجيّد ، وتوجّه إلى دمشق . وكان شديد الانحراف عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، يرتكب في أمره ما لا يرتكبه أحد من مصنّفي الفرق ، حتى كأنّه قد طالع شيئا من مذهب الخوارج ، فاشتبك في رأسه منه ما لم يزل ، ولمّا دخل دمشق قعد في بعض أسواقها يناظر بعض من يتعصّب لعليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وجرى بينهما كلام ( 1 ) أدّى إلى ذكره عليّا بما لم يسغ ، جاريا على عادته في ذلك ؛ فثار النّاس عليه ثورة كادوا أن يقتلوه لما سمعوه منه ، وقدّر اللَّه له السّلامة ، فخرج عن دمشق منهزما ، بعد طلب واليها المعتمد الموصليّ . وجاء إلى حلب خائفا يترقّب ، وخرج عن حلب في العشر الأوّل أو ( 2 ) الثاني من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة ، ووصل إلى الموصل متخفّيا من قوله ، وتوجّه إلى إربل ( 3 ) ، وسلك منها إلى بلاد خراسان ، وتحامى دخول بغداد ، لأنّ المناظر له كان بغداديّا ، وخشي أن ينقل قوله فيطيح دمه ، وأقام بخراسان يتّجر في بلادها . واستوطن مرو مدّة ، وخرج عنها إلى نسا ،
--> ( 1 ) في الأصل : « كلاما » ، والصواب ما أثبته من من ب . ( 2 ) في الأصل : « والثاني » ، والصواب ما أثبته من ب . ( 3 ) إربل ، بالكسر ثم السكون ؛ ذكرها ياقوت ، وقال : « قلعة حصينة ومدينة كبيرة ، تعدّ من أعمال الموصل ، وبينهما مسيرة يومين . . . ودخلتها فلم أر فيها من ينسب إلى فضل غير أبى البركات المبارك بن أحمد بن المبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب ، يعرف بالمستوفى ؛ فإنه متحقق بالأدب ، محب لأهله ، مفضل عليهم . وله دين واتصال بالسلطان وخلة شبيهة بالوزارة » .