علي بن يوسف القفطي
81
إنباه الرواة على أنباه النحاة
في ضبط تجائره ، وكان عسكر هذا لا يحسن الخطَّ ، ولا يعلم شيئا غير التجارة ، وقد سكن بغداد وقطنها ، وتزوّج بها إحدى بنات رئيس من الرؤساء ، وولد أولادا ، هم موجودون الآن ببغداد . ولمّا كبر ياقوت هذا ، قرأ شيئا يسيرا من النّحو واللغة ، وشغله مولاه بالأسفار في متاجره ، فكان يتكرّر إلى كيش ( 1 ) والشّام ، ثم جرت بينهما نبوة اقتضتها الحال ، فعتقه وأبعده عنه ( 2 ) ، فاشتغل بالنّسخ بالأجرة ، وحصّل بالمطالعة فوائد اقتضاها فهمه ، على عسر كان في فهمه ، ومكابرة كانت في خلقه . ثم إنّ سيّده بعد مدّة مديدة ألوى عليه ( 3 ) ، وسفّره إلى كيش ، ولمّا عاد كان سيّده قد مات فحصّل شيئا مما كان في يده ، وأعطى أولاد مولاه وزوجته شيئا راضاهم عليه ، وجعل مما حصّل له رأس مال كان يسافر به إلى الشام ، وربّما جعل بعض تجارته كتبا ، وكان ذلك سبب اجتماعي به ، فإنّه قصدني بالكتب إلى حلب لمّا شاع غرامى بها بين المتّجرين فيها ، فكان اجتماعي به في شهور سنة تسع وستمائة ، أحضره لي أبو عليّ القيلويّ ( 4 ) بحلب ، ورأيت ما جلبه من الكتب على قلَّتها ، فلم يكن فيها ما أرغب إليه سوى كتابين ابتعتهما منه . وتأمّلته في منظره ومخبره ، فتوسّمت
--> ( 1 ) كيش ، ويقال له قيس أيضا : جزيرة في وسط بحر عمان ؛ قال ياقوت : « رأيتها مرارا ، ورأيت فيها جماعة من أهل الأدب والفقه والفضل » . ( 2 ) قال ابن خلكان : « وذلك في سنة ست وتسعين وخمسمائة » . ( 3 ) ألوى عليه : عطف . ( 4 ) في معجم البلدان : « قيلويه ، بكسر أوله وسكون ثانيه ولام مضمومة واو ساكنة : قرية من مطير اباذ قرب النيل ؛ إليها ينسب أبو علي الحسن بن محمد بن إسماعيل القيلوى » .