علي بن يوسف القفطي

38

إنباه الرواة على أنباه النحاة

واستعادها الصوت ثلاث مرات ، وشرب ثلاثة أرطال في ثلاثة أقداح ، ثم قال : يا يزيديّ ، يكون شئ أحسن مما نحن فيه ! قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، فقال : وما هو ؟ قلت : الشكر لمن خوّلك هذا الإنعام العظيم الجليل ! فقال : أحسنت وصدقت ، ووصلنى ، وأمر بمائة ألف درهم يتصدّق بها ، فكأنّى أنظر إلى البدر وقد أخرجت ، والمال يفرّق . وكان اليزيديّ يكلَّم الأمين والمأمون بكلام يتفصّحان به ، ويقول لهما : كان أولاد الخلفاء من بنى أميّة ، يخرج بهم إلى البدو حتى يتفصّحوا ، وأنتم أولى بالفصاحة منهم ، فأكلا معه يوما ( 1 ) كمأة وقصرا ( 2 ) ؛ فقال لهما : كلا كلاكما كمأ كما كما * لا تنبوا ، إن تنبوا لا تنبلا فمضى الخادم الموكَّل بهما إلى الرشيد ، وقال : علَّمهما اليوم كلام الزّنجية ، فاستدعاه الرشيد وقال له : ما حاجتهما إلى كلام الزّنج ، فلم علَّمتهما ؟ فقال اليزيديّ : واللَّه ما أحسنها ، فقال الخادم : بلى ، فعرّفه الحال ، وقال : أنا آخذهما بأمثال ذلك ليتفّصحا ، فقال له الرشيد : لا تلم الخادم ، فلولا التّقدمة لظننته بالزنجية ؛ وأنشد : * لكل أناس مألف من طباعهم * وشكا اليزيديّ إلى المأمون خلَّة أصابته ، ودينا لحقه ، فقال : ما عندنا في هذه الأيام ما إن أعطينا كه بلغت به ما تريد ، قال : يا أمير المؤمنين ، إن الأمر ضاق عليّ ، وإنّ غرمائى أرهقونى ، فاحتل لي . فأفكر ، واستقرّ

--> ( 1 ) الكمأة : ثبات ينقض الأرض فيخرج كما يخرج الفطر . اللسان . ( 2 ) القصر : القشر على الجب . وقد ورد هذا الغريب والبيت محرقا في الأصلين أشدّ التحريف .