علي بن يوسف القفطي
139
إنباه الرواة على أنباه النحاة
عن أعراب المربد ، فما نقلها أبو حنيفة عن قاطنى الكوفة ، وإذا أردت أن تعرف قلَّتها وشذوذها ، فتتبّعها في منظوم الشعراء من أهل البادية ومنثور البلغاء منهم ، فلا نجدها سارية سائرة ، بل هي في كلامهم كالحوشيّ الوحشيّ ، ثم إذا تطعّمتها بآلة ذوق الألفاظ ، وجدتها غير جليّة الجرس ، وإذا وزنتها بميزان الألفاظ ألفيتها غير خفيفة على النّفس . وجاء عمرو بن بن عبيد المتكلم المعتزليّ ( 1 ) إلى أبى عمرو ، فقال : يا أبا عمرو ، أخلف اللَّه وعده ؟ قال : لا ، قال : أفرأيت من وعده اللَّه على عمله عقابا يخلف وعده فيه ؟ فقال أبو عمرو : أمن العجمة أتيت أبا عثمان ( 2 ) ! إنّ الوعد غير الوعيد ، إن العرب لا تعد عارا ولا خلفا ، واللَّه عز وجل ، إذا وعد وفّى ، وإذا أوعد ثم لم يفعل كان ذلك كرما وتفضّلا ، وإنما الخلف أن تعد خيرا ثم لا تفعله ، قال : وأجد هذا في كلام العرب ؟ قال : نعم ، أما سمعت قول الأوّل : ولا يرهب ابن العمّ ما عشت صولتى * ولا أختفى من صولة المتهدّد ( 3 ) . وإني وإن أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادى ومنجز موعدي وتكلم في هذه الآية : * ( ونادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ ) * ( 4 ) قال : فكيف خرج القول من الفريقين بلفظ واحد ، وهو وعد ؟ فقال : لأن العرب تقول : « وعدته خيرا ووعدته شرا » فلو أسقطوا الخير والشر ، قيل في الخير : وعدت ، وفي الشّر : أوعدت .
--> ( 1 ) هو عمرو بن عبيد بن باب . شيخ المعتزلة ، وأحد الزهاد المشهورين . توفى سنة 144 . ابن خلكان 1 : 384 . ( 2 ) أبو عثمان ، كنية عمرو بن عبيد . ( 3 ) لعامر بن الطفيل . اللسان ( وعد ) . ( 4 ) سورة الأعراف 44