مجموعة مؤلفين

6

موسوعة تفاسير المعتزلة

ويعظمني ، فتراهم فعلوا ذلك وأنا فارغ ؟ " « 1 » . ومن محاسن مناظراته ما حكاه عن نفسه في كتابه المعروف بمقالات أبي القاسم ، وذلك أنّه وصل إليه رجل من السوفسطائية راكبا على بغل فدخل عليه فجعل ينكر الضروريات ويلحقها بالخيالات ، فلمّا لم يتمكن من حجّة تقطعه قام من المجلس موهما أنّه قام في بعض حوائجه فأخذ البغل وذهب به إلى مكان آخر ثم رجع لتمام الحديث ، فلما نهض السوفسطائي للذهاب ولم يكن قد انقطع بحجّة عنده طلب البغل حيث تركه فلم يجده ، فرجع إلى أبي القاسم وقال : إني لم أجد البغل ، فقال أبو القاسم : لعّلك تركته في غير هذا الموضع الذي طلبته فيه وخيّل لك أنك وضعته فيه ، بل لعلّك لم تأت راكبا على البغل وإنما خيّل إليك تخييلا ، وجاءه بأنواع من هذا الكلام ، فأظنّ أنه ذكر أن ذلك كان سببا في رجوع السوفسطائي عن مذهبه وتوبته عنه « 2 » . وكان أبو القاسم معروفا بالسخاء والجود والهمّة العالية وثبات القلب حتى أنهم أرادوا اختبار ثبات قلبه فرموا من مكان عال بطشت على غفلة حتى تكسر فلم يتحرّك لذلك . ورغم عدم الودّ الذي يحمله أبو حيان التوحيدي للاعتزال بشكل عام ، إلّا أنه تعامل مع الكعبي على خلاف ذلك ، فقد خصّه بعبارة الثناء التالية : " وناهيك بأبي القاسم عالما وراويا وثقة " « 3 » . وكان التوحيدي قد أظهر ، في نفس المصدر ، ضيقه من الاعتزال ، بقوله : " ما أدري ما أقول في هذه الطائفة التي نبعت آراء مشوبة ، وأهواء فاسدة ، وخواطر لم تختمر ، وفروعا لم يؤسس لها أصولا ، وأصول لم تشرع على محصول " . وقد علّق العسقلاني ، في " لسان الميزان " ، على كلمة التوحيدي في الكعبي ، بقوله : " وهذا ما يطعن به على التوحيدي " . ولكن الأمر سيان عند التوحيدي ، فعتب العسقلاني لديه لا يؤخر ولا يقدم ، ما دامت المثالب ضده لا تعدّ ولا تحصى !

--> ( 1 ) المصدر نفسه ، الداودي ، طبقات المفسرين ، 1 ص 223 . طبقات المعتزلة لابن المرتضى ص 88 و 89 . ( 2 ) ابن المرتضى : طبقات المعتزلة ص 89 . ( 3 ) التوحيدي : البصائر والذخائر ، 1 ص 173 .