مجموعة مؤلفين
20
موسوعة تفاسير المعتزلة
يقول الجبّائي : « الشيطان إما أن يقال : إنه كثيف الجسم ، أو يقال : إنه من الأجسام اللطيفة . فإن كان الأول وجب أن يرى ويشاهد ، إذ لو جاز فيه أن يكون كثيفا ويحضر ثم لا يرى لجاز أن يكون بحضرتنا شموس ورعود وبروق وجبال ونحن لا نراها ، وذلك جهالة عظيمة ، ولأنه لو كان جسما كثيفا فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان . وأما وإن كان جسما لطيفا كالهواء ، فمثل هذا يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة ، فيمتنع أن يكون قادرا على أن يصرع الإنسان ويقتله » « 1 » . يلاحظ من كلام الجبّائي هذا الأسلوب الجدلي ، الذي يعتمد على منهج السّبر والتقسيم عند المناطقة ، والقائم على تحليل الاحتمالات الممكنة وإبطالها ، وعند ذلك لا يصحّ إلّا الافتراض الذي تذهب إليه . ومرة أخرى ، يلجأ الجبّائي إلى هذا المنهج عند حديثه عن إرادة اللّه ، وذلك أثناء تفسيره للآية 108 من سورة آل عمران فيقرر الجبائي : « بأن اللّه لا يريد شيئا من القبائح لا من أفعاله ولا من أفعال عباده ، ولا يفعل شيئا من ذلك » ، ويؤكد الجبائي على هذه القاعدة « بأن الظلم إما أن يصدر من اللّه تعالى أو من العبد ، وبتقدير صدوره من العبد ، فإما أن يظلم نفسه وذلك بسبب إقدامه على المعاصي أو يظلم غيره » . وبعد هذا الكلام يقول الجبائي : فأقسام الظلم هي هذه الثلاثة : وقوله تعالى : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ نكرة في سياق النفي ، فوجب أن لا يريد شيئا مما يكون ظلما ، سواء كان ذلك صادرا عنه أو صادرا عن غيره » « 2 » . ويرفض الجبّائي أن يكون المقصود من قوله تعالى : ( الآية 56 من سورة النساء ) أن يزاد جلدا على جلده كلّما نضجت ، والسبب عند الجبّائي هو أنه « لو كان كذلك لوجب أن يملأ جسد كل واحد من الكفار جهنم إذا أدام اللّه العقاب ، لأنه كلّما نضجت تلك الجلود زاد اللّه جلدا آخر ، فلا بدّ
--> ( 1 ) تفسير الجبّائي ، سورة البقرة الآية 275 . ( 2 ) تفسير الجبّائي ، سورة آل عمران الآية 108 .