علي بن يوسف القفطي

284

إنباه الرواة على أنباه النحاة

قال أبو عبيدة : وقدمت على الفضل بن الربيع فقال : من أشعر الناس ؟ قلت : الراعي ، قال : وكيف فضّلته ؟ قال : إنه ورد على سعيد بن عبد الرحمن الأمويّ فوصله في يومه الذي لقيه فيه وصرفه ، فقال ( 1 ) : وأنضاء تحنّ إلى سعيد * طروقا ثم عجّلن ابتكارا ( 2 ) حمدن مزاره ولقين منه * عطاء لم يكن عدة ضمارا ( 3 ) فقال : ما أحسن ما اقتضيتنا يا أبا عبيدة ! ثم غدا إلى الرشيد ، فأخرج لي صلة ، وأمر لي بشئ من ماله ، وصرفنى . وقال أبو عبيدة : دفعت إلى جعفر بن سليمان أمثالا في الرّقاع ؛ قيل لي : كم كانت ؟ قلت أربعة عشر ألف مثل ؛ فانظر إلى هذه السّعة في الرواية ؛ وبين ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلَّام ؛ فإنه لما اجتهد جاء بألف مثل . وكان أبو عبيدة جبّاها ( 4 ) ، واتّفق أن خرج إلى فارس قاصدا موسى بن عبد الرحمن الهلاليّ ؛ فلما قدم عليه أوصى غلمانه بالاحتراز منه وقال : كلام أبى عبيدة دبق ( 5 ) ، واتفق أن أحضر الطعام ، فصبّ بعض الغلمان على ذيله مرقة ، فقال له الهلاليّ : قد أصاب ثوبك مرق ، وأنا أعطيك عوضه عشرة أثواب ، فقال له أبو عبيدة : لا عليك ؛ إنّ مرقكم لا يؤذى ؛ أي ما فيه دهن ، ففطن لها الهلاليّ وسكت .

--> ( 1 ) البيتان من قصيدة مطلعها : ترجّى من سعيد بنى لؤي * أخي الأعياص أنواء غزارا وانظر الأغانى ( 21 : 118 ) و ( اللسان - ضمر ) ، و ( لباب الآداب 89 - 90 ) . ( 2 ) الأنضاء : جمع نضو ، وهو الدابة التي أهزلتها الأسفار ، والطروق : المجئ ليلا قصد الحاجة . وفى اللباب : « أنخن » . ( 3 ) الضمار : ما لا يرجى من الدين والوعد . ( 4 ) يقال : جبهت فلانا إذا استقبلته بكلام فيه غلظة . ( 5 ) الدبق في الأصل : شئ يلتزق به كالغراء ؛ يريد أن كلامه يعلق أثره .