علي بن يوسف القفطي

278

إنباه الرواة على أنباه النحاة

إياها ؟ قلت : هات ، قال : قال اللَّه عز وجل : * ( طَلْعُها كَأَنَّه رُؤُسُ الشَّياطِينِ ) * ( 1 ) وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله ، وهذا لم يعرف ، فقلت : إنما كلَّم اللَّه العرب على قدر كلامهم ؛ أما سمعت قول امرئ القيس : أيقتلنى والمشرفيّ مضاجعى * ومسنونة زرق كأنياب أغوال ( 2 ) وهم لم يروا الغول قط ؛ ولكنه لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به . فاستحسن الفضل ذلك ، واستحسنه السائل ، واعتقدت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن لمثل هذا وأشباهه ، ولما يحتاج إليه من علمه ، ولمّا رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته المجاز وسألت عن الرجل فقيل لي : هو من كتّاب الوزير وجلسائه ؛ يقال له إبراهيم بن إسماعيل بن داود الكاتب العبرتانيّ ( 3 ) . وبلغ أبا عبيدة أن الأصمعيّ يعيب عليه تأليفه كتاب المجاز فقال : يتكلَّم في كتاب اللَّه تعالى برأيه ، فسأل عن مجلس الأصمعيّ في أي يوم هو ، فركب حماره في ذلك اليوم ، ومرّ بحلقة الأصمعيّ ، فنزل عن حماره وسلم عليه وجلس عنده وحادثه ثم قال له : يا أبا سعيد ، ما تقول في الخبز ، أيّ شئ هو ؟ قال : هو الذي نأكله ونخبزه . قال أبو عبيدة : قد فسّرت كتاب اللَّه برأيك ؛ فإن اللَّه قال : * ( أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً ) * ( 4 ) ، فقال الأصمعيّ : هذا شئ بان لي فقلته ؛ لم أفسّره برأي . فقال أبو عبيدة : والذي تعيب علينا كلَّه شئ بان لنا فقلناه ، ولم نفسّره برأينا ، وقام فركب حماره وانصرف .

--> ( 1 ) سورة الصافات آية 65 . ( 2 ) ديوانه ص 60 . ( 3 ) منسوب إلى عبرتا ، وهى قريبة من أعمال بغداد . ( 4 ) سورة يوسف آية 36 .