علي بن يوسف القفطي
244
إنباه الرواة على أنباه النحاة
المختار ، وذلك أن أوّل الآية * ( وأَقْسَمُوا بِالله جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها ، قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عِنْدَ الله وما يُشْعِرُكُمْ ) * . ثم قال تعالى : يا محمد * ( أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 1 ) ) * باستيفاء جواب الكلام المتقدّم . قال : صدقت ، وركب إلى دار أمير المؤمنين فعرّفه بقدومي ، وطالبه بدفع ما تخاطرا عليه وتبايعا فيه ، فأمر بإحضارى ، فحضرت ، فلما وقعت عين المتوكَّل عليّ قال : يا بصريّ ، كيف تقرأ هذه الآية : * ( وما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) * بالكسر أو بالفتح ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ؛ أكثر الناس يقرؤنها بالفتح ، فضحك وضرب رجله اليسرى وقال : أحضر يا فتح المال ، فقال : يا سيدي ، قد واللَّه قال لي خلاف ما قال لك ؛ قال : دعني من هذا ، أحضر المال . قال المبرّد : وأخرجت فلم أصل إلى الموضع الذي كنت فيه نازلا ، حتى أتتني رسل الفتح ، فأتيته فقال : يا بصريّ ، أوّل ما ابتدأتنا بالكذب ! فقلت : ما كذبت ، فقال : وكيف وقد قلت لأمير المؤمنين إن الصواب * ( وما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها ) * بالفتح ، فقلت أيها الأمير ؛ لم أقل هكذا ، وإنما قلت : أكثر الناس يقرؤنها * ( أَنَّها ) * وأكثرهم على الخطأ ؛ وإنما تخلَّصت من اللأئمة ، وهو أمير المؤمنين ! فقال لي : أحسنت . قال أبو العباس : فما رأيت أكرم كرما ، ولا أرطب بالخير لسانا من الفتح . وقال أبو العباس : حملت إلى المتوكَّل سنة ست وأربعين ومائتين . وقال أبو العباس المبرّد : أحضرت مجلس المتوكل ، وقد عمل فيه النّبيذ وبين يديه أبو عبادة الوليد بن عبادة البحتريّ ( 2 ) ، وهو ينشده قصيدا يمدحه ، وبالقرب من البحتريّ أبو العنبس الصّيمريّ ، فأنشد قصيدته التي أوّلها :
--> ( 1 ) هذه قراءة مجاهد وأبى عمرو وابن كثير . راجع ( الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 64 ) . طبع دار الكتب المصرية . ( 2 ) هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى البحتري الطائي ؛ الشاعر المشهور . ولد بمنبج وتخرج بها ؛ ثم خرج إلى العراق ومدح جماعة من الخلفاء وأولهم المتوكل على اللَّه ، وأقام ببغداد دهرا طويلا ، ثم عاد إلى الشام ، وله أشعار كثيرة فيها ذكر حلب ونواحيها ، ثم عاد إلى منيج ، وتوفى بها سنة 284 . ( ابن خلكان 2 : 175 - 179 ) .