علي بن يوسف القفطي
160
إنباه الرواة على أنباه النحاة
كان عالما بالعربية وأيام الناس والشعر . وروى عن الأئمة الأثبات في وقته . وروى عنه الجمّ الغفير . وكان متواضعا ، رآه بعض الناس وهو يحمل بطن شاة بيده ، فقال له : أنا أحملها عنك ، فأنشده : ما ينقص الكامل من كماله * ما جرّ من خير إلى عياله قال إسحاق بن إبراهيم ( 1 ) : أتيت إلى محمد بن كناسة لأكتب عنه ، فكثر عليه أصحاب الحديث ، فتضجر بهم وتجهمهم ، فلما انصرفوا عنه دنوت منه ، فهش إليّ واستبشر بي ، وبسط من وجهه ، فقلت له : عجبت من تفاوت حالتيك ، فقال : أضجرنى هؤلاء بسوء آدابهم ، فلما حييتنى أنت انبسطت إليك وأنشدتك . وقد حضرني في هذا المعنى بيتان ، وهما : فيّ انقباض وحشمة فإذا * صادفت أهل الوفاء والكرم أرسلت نفسي على سجيّتها * وقلت ما قلت غير محتشم فقلت : وددت واللَّه أن هذين البيتين لي بنصف ما أملك . فقال : قد وفّر اللَّه عليك مالك ، واللَّه ما سمعهما أحد ، ولا قلتهما إلا لك الساعة ؛ فقلت له : فكيف لي بعلم ينسى أنهما ليسالى ( 2 ) ! . قال إسحاق : فأذكرت ابن كناسة هذين البيتين بعد ، فقال : لكني أقول اليوم : ضعفت عن الإخوان حتى جفوتهم * على غير زهد في الإخاء ولا الودّ ولكنّ أيامى تخرّمن قوتى * فما أبلغ الحاجات إلا على جهدي وسئل يحيى بن معين عن محمد بن كناسة فقال : ثقة . وقال علي بن المدينيّ : كان ابن كناسة شيخا ثقة صدوقا .
--> ( 1 ) هو إسحاق بن إبراهيم أبو محمد الموصلي . تقدّمت ترجمته للمؤلف في الجزء الأوّل ص 250 . ( 2 ) الخبر في تاريخ بغداد ( 5 : 406 - 407 ) .