مروان وحيد شعبان
50
الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث
وبعد هذا التحدي العظيم الذي قصم الظهور ، وأذلّ الأعناق ، ما استطاع أحد منهم أن يتجرأ أو يتلفّظ بسورة تشابه كلام اللّه تعالى ، بل راحوا يتساقطون وينهزمون ، بعجز سافر وضعف ذليل ، لقد مدّ اليأس سلطانه على نفوسهم ، وامتلأت أقطار نفوسهم بالإحباط والفشل ، ورأوا أنفسهم ذرة أمام قلعة شماء شامخة ، إنها قلعة البيان وصرح القرآن ، إنه المعجزة الخالدة على مرّ العصور والأزمان ، إنه كلام اللّه . تلك هي مراحل التحدي ، ولقد أشار الحافظ ابن كثير إلى ترتيبها ، على النحو الذي ذكرنا عند تفسيره لقوله سبحانه وتعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 1 » يقول : ( فأتوا أنتم بسورة من مثله ، أي من جنس هذا القرآن واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه من إنس وجن ، وهذا هو المقام الثالث في التحدّي ، فإنه تعالى تحدّاهم ودعاهم ، إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد ، فليعارضوه ، بنظير ما جاء به وحده وليستعينوا بمن شاءوا ، وأخيرا أنهم لا يقدرون على ذلك ولا سبيل لهم إليه فقال سبحانه تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 2 » ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال في أول سورة هود : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 3 » . ثم تنازل إلى سورة فقال في هذه السورة « 4 » : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 5 » . رأينا من خلال هذا العرض ، عظمة القرآن وهو يتحدّى العرب ، وكيف أنه يطاولهم في المعارضة ثم إنه قد تنازل لهم في تحديهم بجميع القرآن إلى التحدي بعشر سور مثله ، ومن ثم إلى التحدي ولو بسورة واحدة ، وهم مع ذلك يتقلبون في أطوار كليلة هزيلة من عجز إلى عجز ومن نكص إلى نكص ، والقرآن يتألق في كل مرحلة وينتقل من فوز إلى فوز ، ومن ألق إلى ألق .
--> ( 1 ) سورة يونس ، الآية : 38 . ( 2 ) سورة الإسراء ، الآية : 88 . ( 3 ) سورة هود ، الآية : 13 . ( 4 ) تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير 4 / 304 ، وانظر : لوامع الأنوار البهية ، محمد السفاريني الحنبلي ، بيروت ، المكتب الإسلامي ، الطبعة الثالثة ، 1411 ه / 1991 ، 1 / 170 . ( 5 ) سورة يونس ، الآية : 38 .