مروان وحيد شعبان

49

الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث

وسلامه عليه ويثبت عظمة القرآن ، ولقطع ( دابر وساوس الشيطان ونزغات أهل الباطن المرجفين ، ولكي لا يقال إن محمدا تحدى أهل مكة ، والأميّة فاشية فيهم ، ولا علم لهم بعلوم الأديان وبالأنبياء والكتب ، ولو أنه تحدى غيرهم لأمكنهم أن يأتوا بمثل قرآنه ، كرر في المرحلة المدنية وبين ظهراني أهل الكتاب ، وسجل العجز المطلق لكل المخلوقين إلى يوم القيامة ، ولا زالت أصداؤه في أذن الزمن على مرّ العصور ليبرهن على خلود الرسالة وصدق صاحبها ) « 1 » وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 24 ) « 2 » . إنه تحدّ بعد تحد ، ومن جرّاء تكرار هذا التحدي طبع الحق عز وجلّ عليهم طابع العجز والقصور ، ليحولهم إلى كتلة من الذل والصغار ، هيا شمّروا عن ساعد الجد والعنفوان ، بكل وسائلكم وحيلكم ، واستعينوا بمن شئتم وكيفما شئتم ، وأتوا بسورة تماثل هذا الكلام الإلهي الأخّاذ . يقول رشيد رضا في هذا المقام : ( يا أيها الناس عليكم بعد أن تنسلوا من مضايق الوساوس وتتسللوا من مآزق الهواجس ، وتنزعوا ما طوقكم به التقليد من القلائد وتكسروا مقاطر ما ورثتم من العوائد ، أن تهرعوا إلى الحق فتطلبوه ببرهانه ، وأن تبادروا إلى ما دعيتم إليه فتأخذوه بربانه ، فإن خفي عليكم الحق بذاته ، فهذه آية من أظهر آياته وهي عجزكم عن الإتيان بسورة من مثل سور القرآن من رجل أمي مثل الذي جاءكم به ، وهو عبدنا ورسولنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإن عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله تساوي سورة في هدايتها ، وتضارعها في أسلوبها وبلاغتها ، وأنتم فرسان البلاغة وعصركم أرقى عصور الفصاحة ، وقد اشتهر كثير منكم بالسبق في هذا الميدان ، ولم يكن محمد صلى اللّه عليه وسلم ممن يسابقكم من قبل هذا البرهان ، لأنه لم يؤت هذا الاستعداد بنفسه ولم يتمرن عليه أو يتكلفه لمباراة أهله ، فاعلموا أن ما جاء به بعد أربعين سنة فأعجزكم بعد سبقكم ، لم يكن إلا بوحي إلهي وإمداد سماوي لم يسم عقله إلى علمه ، ولا بيانه إلى أسلوبه ونظمه ) « 3 » .

--> ( 1 ) مباحث في إعجاز القرآن ، مصطفى مسلم ، ص : 34 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآيتان 23 . 24 . ( 3 ) تفسير المنار ، رشيد رضا ، 1 / 191 .