مروان وحيد شعبان
115
الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث
ونراه يستدل على ذلك عندما عقد فصلا في كتابه المذكور وعنونه في حاجة المفسر إلى الفهم والتبحر في العلوم ، وينقل فيه أقوال بعض الصحابة في ذلك ، كما يسوق آراء الإمام الغزالي من كتابه « الإحياء » مدللا بكل ذلك على ما ذهب إليه . يقول : ( كتاب اللّه بحره عميق وفهمه دقيق ، لا يصل إلى فهمة إلا من تبحر في العلوم ، وعامل اللّه بتقواه في السر والعلانية ، وأجله عند مواقف الشبهات ، واللطائف والحقائق لا يفهمها إلا من ألقى السمع وهو شهيد ، فالعبارات للعموم وهي للسمع ، والإشارات للخصوص وهي للعقل ، واللطائف للأولياء وهي المشاهد ، والحقائق للأنبياء وهي الاستسلام ، وللكل وصف ظاهر وباطن ، وحد ومطلع فالظاهر التلاوة ، والباطن الفهم ، والحد أحكام الحلال والحرام ، والمطلع أي الإشراق من الوعد والوعيد ، فمن فهم هذه الملاحظة بان له بسط الموازنة وظهر له حال المعاينة . . . ثم يقول : وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال اللّه تعالى وصفاته ، وفي القرآن شرح ذاته وصفاته وأفعاله ، فهذه الأمور تدل على أن فهم معاني القرآن مجالا رحبا ومتسعا بالغا ، وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع ، لا بد منه في ظاهر التفسير ليتقي به مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط ، والغرائب التي لا تفهم إلا باستماع فنون كثيرة ، ولا بد من الإشارة إلى جمل منها ليستدل بها على أمثالها ويعلم أنه لا يجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر أو لا ، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر ، ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل تجاوز الباب ، فظاهر التفسير يجري مجرى تعلم اللغة التي لا بد منها للفهم ، وما لا بد فيها من استماع كثير . . . ) « 1 » . ومما يلاحظ على الإمام الزركشي أنه أوغل في تحميل النصوص القرآنية بجزئيات المسائل الحسابية والفلكية ، مما أخرج نصوص القرآن عن مقاصدها الأساسية التي هي هداية البشر ، والقرآن ذكر أسس وقواعد العلوم وأشار إليها إشارات ، لكنه لم يكن موسوعة علمية تتضمن جزئيات العلوم وفروعه .
--> ( 1 ) البرهان في علوم القرآن ، للزركشي ، 2 / 153 .