بهجت عبد الواحد الشيخلي
53
اعراب القرآن الكريم
عن كونه جسما فيكون التعبير كناية عن استيلائه على الملك يدبر أمر الكون بمقتضى حكمته . . وبما أنه عزّ وجل ليس بجسم فلا يجوز أن يؤخذ هذا الكلام على ظاهره بل يجب تأويله . . وقد سلك علماء السنة هذا المسلك فقالوا إن الاستواء على العرش صفة لله بلا كيف . . أي إن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزها سبحانه عن الاستقرار والتمكن . . وقالوا : العرش : هو الجسم المحيط بسائر الأجسام . * * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ : هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الخامسة . . ونكر « يوم » وهو يوم الحساب للتفخيم والتهويل لعظمته . . والمعنى : يدبر سبحانه أمر الأرض من سماء جلاله من يوم وجودها إلى ساعة تلاشيها ثم يصعد إليه الأمر كله في يوم القيامة - الحساب - ليحكم فيه أو نازلة آثارها إلى الأرض ثم يصعد الأمر ويرجع إلى ذلك اليوم . . واليوم هنا : مدة من الزمان الله أعلم بها واليوم عند الله سبحانه في الدنيا كألف سنة بحساب أهلها . . أما يوم الآخرة فمقداره خمسون ألف سنة . . يقال عرج في السلم - يعرج - بمعنى ارتقى . . وهو من باب « دخل » و « المعراج » هو السلم وجمعه : معارج ومعاريج . قال الأخفش : إن شئت جعلت الواحد - أي المفرد - مِعرج ومَعرج - بكسر الميم وفتحها . . والمعارج : تعني أيضا المصاعد و « الدرج » بفتح الدال والراء وجمعه : أدراج : هو مراتب بعضها فوق بعض . . أما درج السلم فهو ما يتخطى عليه من الأدنى إلى الأعلى في الصعود . . يقال : رقي الرجل - يرقى - رقيا ورقيا ورقي في الجبل وإليه - من باب تعب - بمعنى : صعد . ومثله : ارتقى في السلم : أي ترقى إليه بمعنى صعد ويقال : ارتقى الخطيب المنبر - بكسر الميم : أي صعده . يروى أن عبد الملك بن مروان سأله ولده ما الذي شيبك ؟ فقال له : يا بني شيبني ارتقاء المنابر ومخافة اللحن - أي الخطأ - و « سنة » في الآية الكريمة المذكورة آنفا جمعها « سنون . . سنوات » أي أن الجمع يعرب بالحروف والحركات يروى أن الشاعر المعروف « الحطيئة » أراد سفرا . . فلما قدم راحلته قالت له امرأته : متى ترجع ؟ فقال : عدي السنين لغيبتي وتصبري * ودعي الشهور فإنهن قصار فقالت : اذكر صبابتنا إليك وشوقنا * وارحم بناتك إنهن صغار في البيت الأول أعربت « السنين » بالحروف فهي منصوبة بعدي وعلامة نصبها الياء لأنها ملحقة بجمع المذكر السالم ويقال في حالة الرفع : مرت سنون كثيرة والاعراب الثاني لهذه اللفظة يكون بالحركات فيقال : مرت سنوات كثيرة . . وقضيت سنينا كثيرة . . وجرى ذلك منذ سنين كثيرة . * * ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ : هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة السادسة . . المعنى : ذلك المدبر الخالق هو الله عالم ما بطن وما غاب من الأمور وما ظهر منها أي وعالم المحسوسات وحذف النعت أو البدل المشار إليه « المدبر . . الخالق » لأن ما قبله دال عليه . * * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ : هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة السابعة . . المعنى : الذي أحكم وأتقن خلق كل شيء وبدأ تكوين الانسان الأول أي آدم - عليه السلام - وهو أبو البشر . . فحذف مفعول « أحسن » وهو « خلق » وحل المضاف إليه « كل » محله ولأن ما بعده « خلقه » يفسره .