بهجت عبد الواحد الشيخلي
151
اعراب القرآن الكريم
* * أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ : ورد هذا القول الكريم في الآية الكريمة الخمسين . . وكلمة « اللاتي » جمع « التي » وهي مؤنث « الذي » ومثناها اللتان « في حالة الرفع » و « اللتين » في حالتي النصب والجر وجمعها : اللاتي - كما في الآية الكريمة المذكورة - واللائي واللواتي . وتصغر « التي » فيقال : اللتيا . وإذا جمع بينهما في جملة أدتا معنى آخر نحو قولنا : وقع فلان في اللتيا والتي . . بمعنى : وقع في الصغيرة والكبيرة من الدواهي . . ويكنى بهما عن الشدة لأنهما اسمان من أسماء الداهية المتناهية وقيل : هما تصغير « التي » و « اللاتي » ويراد بالتصغير : التكثير . وقيل : إن « التي » هي الكبيرة و « اللتيا » هي الصغيرة : الداهية الكبيرة والداهية الصغيرة . وقيل : إن أصلهما ورد على لسان رجل من « جديس » تزوج امرأة صغيرة فقاسى منها الشدائد وكان يعبر عنها بالتصغير . . ثم تزوج امرأة طويلة فقاسى منها ضعف ما قاسى من الصغيرة فطلقها هي الأخرى وقال : بعد اللتيا والتي لا أتزوج أبدا . وقد اختلف النحاة في حركة لام « اللتيا » فقد قال بنصبها كل من « الصحاح » والحريري في درة الغواص . . قال عن ضم اللام : إنه لحن فاحش وغلط شائن - اسم فاعل للفعل « شان » ولا نقول : مشين . . لأن هذه اللفظة اسم فاعل للفعل الرباعي « أشان » الذي لم يرد في مصادر اللغة إلا ثلاثيا « شان » وقال ابن خالويه : أجمع النحويون على فتح لام « اللتيا » إلا أن الأخفش أجاز ضمها . . وقال بالفتح كل من الزمخشري في « الأساس » وابن منظور في « لسان العرب » وقال « تاج العروس » : الضم : لغة جائزة إلا أنها قليلة . . وقال بضم اللام فقط كل من ابن سيده وابن السكيت . و « السكيت » من صيغ المبالغة « فعيل بمعنى فاعل » أي الكثير السكوت ومثله أيضا : الساكوت : أي الدائم السكوت . وقيل : إن المثل المذكور آنفا هو كناية عن « الحية » وكنى عن الكبيرة بلفظ التصغير تشبيها بالحية فإنها إذا كثر سمها صغرت ؛ لأن السم يأكل جسدها . و « السم » هو مادة قاتلة لأنها إذا دخلت جوف الإنسان عطلت الأعمال الحيوية أو أوقفتها تماما . واللفظة تنطق بفتح السين على الأكثر وجمعها : سموم - بضم السين - وتنطق بضم السين لأنه لغة لأهل العالية وبكسر السين لغة لبني تميم . ومنه قيل سممت الطعام سما : بمعنى : جعلت فيه السم . وتطلق لفظة « سم » على ثقب الإبرة ملفوظة بضم السين وفتحها وكسرها . . والأشهر فتحها لأنها وردت في كتاب الله العظيم بفتح السين في قوله عزّ وجل في سورة « الأعراف » : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ صدق الله العظيم . بمعنى : يستحيل عليهم دخول الجنة كاستحالة أن يدخل الجمل « البعير » في ثقب الإبرة . السم : الثقب . . والخياط : الإبرة . ذكر سبحانه ذلك التشبيه لكونه غاية في الضيق . ومن هذه اللفظة اشتقت كلمة « مسام البدن » وهي ثقبة - جمع ثقب - التي يبرز عرقه وبخار باطنه منها . * * إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ : المعنى : أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تتزوجها لأن إرادته هي قبول الهبة وما به تتم . وقد حول سبحانه القول من المخاطبة « الخطاب » إلى الغيبة في قوله للنبي : « إن أراد النبي » ثم عاد جلت قدرته إلى المخاطبة في قوله عزّ من قائل - : « لك . . وعليك » والسبب هو الإيذان بأنه مما خص به وأثر ومجيؤه على لفظ النبي للدلالة على أن الاختصاص تكرمة له لأجل النبوة وتكريره تفخيم له وتقرير لاستحقاقه - صلى الله عليه وسلم - الكرامة لنبوته .