علي بن يوسف القفطي

40

إنباه الرواة على أنباه النحاة

هذا هو الأشهر من أمر ابتداء النحو . وقد تعرّض الزجّاجيّ أبو القاسم إلى شرح هذا الفصل من كلام عليّ ، كرم اللَّه وجهه . ورأيت بمصر في زمن الطلب بأيدي الورّاقين جزءا فيه أبواب من النحو ، يجمعون على أنها مقدّمة عليّ بن أبي طالب التي أخذها عنه أبو الأسود الدّؤليّ . وروى أيضا عن أبي الأسود قال : دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - فأخرج لي رقعة فيها : الكلام كلَّه اسم وفعل وحرف جاء لمعنى . قال : فقلت : ما دعاك إلى هذا ؟ قال : رأيت فسادا في كلام بعض أهلي ؛ فأحببت أن أرسم رسما يعرف به الصواب من الخطأ . فأخذ أبو الأسود النحو عن علي - عليه السلام - ولم يظهره لأحد . ثم إن زيادا سمع بشئ مما عند أبي الأسود ، ورأى اللحن قد فشا ؛ فقال لأبى الأسود : أظهر ما عندك ليكون للناس إماما . فامتنع من ذلك ، وسأله الإعفاء ، حتى سمع أبو الأسود قارئا يقرأ : * ( أَنَّ الله بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُوله ) * بالكسر ؛ فقال : ما ظننت أمر الناس آل إلى هذا . فرجع إلى زياد فقال : أنا أفعل ما أمر به الأمير ؛ فليبغنى ( 1 ) كاتبا لقنا ( 2 ) يفعل ما أقول ، فأتى بكاتب من عبد القيس ( 3 ) ، فلم يرضه ، فأتى بكاتب آخر - قال المبرّد : أحسبه منهم - فقال له أبو الأسود : إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه ، وإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف ، وإن كسرت فاجعل نقطة من تحت الحرف ، وإن مكَّنت ( 4 ) الكلمة بالتنوين فاجعل أمارة ذلك نقطتين . ففعل ذلك ، وكان أوّل ما وضعه لهذا السبب .

--> ( 1 ) يقال : أبغنى الشئ ؛ أي أعنّى على طلبه . ( 2 ) اللقن : سريع الفهم . ( 3 ) عبد القيس : قبيلة من أسد ، وكانت ديارهم في تهامة ، ثم خرجوا منها إلى البحرين . ( 4 ) في أخبار النحويين للسيرا في ص 16 : « فإن أتبعت شيئا من ذلك غنة ، فاجعل مكان النقطة نقطتين » .