علي بن يوسف القفطي
316
إنباه الرواة على أنباه النحاة
وقصد مرة أحد أجلَّاء اليمن - ويعرف بابن الرويّة ( 1 ) المراديّ - من مذحج ، وامتدحه في سنة شديدة ، فأكرمه ، وأنزله أجمل منزل ، وطوّل عليه في تأخير ، فأقام شهرا ، وهو في قلق من أمر أهله ، وما تركهم عليه من الإعسار في ذلك الوقت . فلما انقضى الشهر استأذنه في الرجوع إلى أهله ، فأذن له ، فرجع كئيبا صفر اليد ، ممّا قصده له . ولما صار قريبا من أهله تلقّاه بنوه وقرباؤه على هيئة جميلة ، ومراكب نفيسة ، فأعجب بذلك ، وسألهم عن سببه ، فقالوا : هو ما بعثت لنا . ففطن للأمر ؛ وسألهم صورة ما سيّر إليه ، فذكروا جملة كثيرة ، من مال وملبوس ومركوب ومفترش . ففرح وأمعن في مدح ابن الرويّة المذكور ، وبالغ في وصفه ، واشتهرت هذه المكرمة بالبلاد اليمنية ، وسار مديحه له . وكان ابن الرويّة هذا قد ولى أعمال صنعاء زمانا ، ثم استقرّ أمره بالسّرّ ( 2 ) ، وبها ولده . وممّن كان يكرمه من ملوك اليمن ويرعى حقّه إسماعيل بن إبراهيم النبعيّ الحميريّ ، وهو من آل ذي نبع بن الحارث بن مالك بن اليشرج ( 3 ) بن يحصب بن دهمان ابن مالك بن سعد بن عديّ بن مالك بن زيد بن شدد بن زرعة بن سبأ الأصغر ، ثم من ولد شرحبيل بن ذي نبع . والأنبوع ممن ولى الملك باليمن ، وكان ينزل بضبا من أعمال التّعكر ( 4 ) ، وفيه يقول : يطلبن من عرض البلاد وطولها * بلدا به النّبعيّ إسماعيل فضياء غرّته وريح نواله * لوجوههنّ إلى حماه دليل وكان مصنّفا للكتب في كل فنّ ؛ فمن ذلك كتابه في السّير والأخبار ، وكتابه المسمى باليعسوب في فقه الصيد وحلاله وحرامه والأثر الوارد فيه وكيفية الصيد ،
--> ( 1 ) هو محمد بن أحمد بن الروية . ذكره الهمداني في الإكليل ( 10 : 181 ) . ( 2 ) السرّ : واد باليمن ينسب إلى ابن الروية ، فيه العيون والآبار ، وبه قرى كثيرة . صفة جزيرة العرب ص 108 . ( 3 ) في معجم البلدان ( 6 : 301 ) : « ليشرح بن يحصب » . ( 4 ) تعكر ، بضم الكاف : قلعة حصينة باليمن .