سعيد حوي

4079

الأساس في التفسير

نقل : عند قوله تعالى : فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ . . . قال صاحب الظلال : ( نقف قليلا أمام تدبير الله لموسى - عليه السلام - في هذه السنوات العشر ، وفي هذه الرحلة ذهابا وجيئة ، في هذا الطريق . . لقد نقلت يد القدرة خطى موسى - عليه السلام - خطوة خطوة ، منذ أن كان رضيعا في المهد حتى هذه الحلقة ، ألقت به في اليم ليلتقطه آل فرعون ، وألقت عليه المحبة في قلب امرأته لينشأ في كنف عدوه ، ودخلت به المدينة على حين غفلة من أهلها ليقتل منهم نفسا ، وأرسلت إليه بالرجل المؤمن من آل فرعون ليحذره وينصحه بالخروج منها ، وصاحبته في الطريق الصحراوي من مصر إلى مدين وهو وحيد مطارد على غير زاد ولا استعداد . وجمعته بالشيخ الكبير ليأجره هذه السنوات العشر ثم ليعود بعدها فيتلقى التكليف . . هذا خط طويل من الرعاية والتوجيه ، ومن التلقي والتجريب ، قبل النداء وقبل التكليف . . تجربة الرعاية والحب والتدليل ، وتجربة الاندفاع تحت ضغط الغيظ الحبيس ، وتجربة الندم والتحرج والاستغفار ، وتجربة الخوف والمطاردة والفزع ، وتجربة الغربة والوحدة والجوع ، وتجربة الخدمة ورعي الغنم بعد حياة القصور ، وما يتخلل هذه التجارب الضخمة من شتى التجارب الصغيرة ، والمشاعر المتباينة ، والخوالج والخواطر ، والإدراك والمعرفة . . إلى جانب ما آتاه الله حين بلغ أشده من العلم والحكمة . إن الرسالة تكليف ضخم شاق متعدد الجوانب والتبعات ؛ يحتاج صاحبه إلى زاد ضخم من التجارب والإدراك والمعرفة والتذوق في واقع الحياة العملي . إلى جانب هبة الله اللدنية ، ووحيه وتوجيهه للقلب والضمير . ورسالة موسى بالذات قد تكون أضخم تكليف تلقاه بشر - عدا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم - فهو مرسل إلى فرعون الطاغية المتجبر ، أعتى ملوك الأرض في زمانه ، وأقدمهم عرشا ، وأثبتهم ملكا ، وأعرقهم حضارة ، وأشدهم تعبدا للخلق واستعلاء في الأرض . وهو مرسل لاستنقاذ قوم من كئوس الذل حتى استمرءوا مذاقه فمردوا عليه واستكانوا دهرا طويلا . والذل يفسد الفطرة البشرية حتى تأسن وتتعفن ، ويذهب بما فيها من الخير والجمال والتطلع ومن الاشمئزاز من العفن والنتن والرجس والدنس . فاستنقاذ قوم