سعيد حوي

4080

الأساس في التفسير

كهؤلاء عمل شاق عسير . وهو مرسل إلى قوم لهم عقيدة قديمة ، انحرفوا عنها ، وفسدت صورتها في قلوبهم فلا هي قلوب خامة تتقبل العقيدة الجديدة ببراءة وسلامة ولا هي باقية على عقيدتها القديمة . ومعالجة مثل هذه القلوب شاقة عسيرة . والالتواءات فيها والرواسب والانحرافات تزيد المهمة مشقة وعسرا وهو في اختصار مرسل لإعادة بناء أمة ، بل لإنشائها من الأساس . فلأول مرة يصبح بنو إسرائيل شعبا مستقلا ، له حياة خاصة تحكمها رسالة . وإنشاء الأمم عمل ضخم شاق عسير . ولعله لهذا المعنى كانت عناية القرآن الكريم بهذه القصة ، فهي نموذج كامل لبناء أمة على أساس دعوة ، وما يعترض هذا العمل من عقبات خارجية وداخلية . وما يعتوره من انحرافات وانطباعات وتجارب وعراقيل . فأما تجربة السنوات العشر فقد جاءت لتفصل بين حياة القصور التي نشأ فيها موسى عليه السلام - وحياة الجهد الشاق في الدعوة وتكاليفها العسيرة . إن لحياة القصور جوا خاصا ، وتقاليد خاصة ، وظلالا خاصة تلقيها على النفس وتطبعها بها مهما تكن هذه النفس من المعرفة والإدراك والشفافية ، والرسالة معاناة الجماهير من الناس فيهم الغني والفقير ، والواجد والمحروم ، وفيهم النظيف والوسخ . والمهذب والخشن ، وفيهم الطيب والخبيث والشرير . وفيهم القوي والضعيف ، والصابر والجزوع . . وفيهم وفيهم . . . وللفقراء عادات خاصة في أكلهم وشربهم ولبسهم ومشيهم ، وطريقة فهمهم للأمور ، وطريقة تصورهم للحياة ، وطريقة حديثهم وحركتهم ، وطريقة تعبيرهم عن مشاعرهم . . وهذه العادات تثقل على نفوس المنعمين ، ومشاعر الذين تربوا في القصور ، ولا يكادون يطيقون رؤيتها فضلا على معاناتها وعلاجها ، مهما تكن قلوب هؤلاء الفقراء عامرة بالخبر مستعدة للصلاح ، لأن مظهرهم وطبيعة عاداتهم لا تفسح لهم في قلوب أهل القصور ! وللرسالة تكاليفها من المشقة والتجرد والشظف أحيانا . . وقلوب أهل القصور - مهما تكن مستعدة للتضحية بما اعتادته من الخفض والدعة والمتعة . لا تصبر طويلا على الخشونة والحرمان والمشقة عند معاناتها في واقع الحياة . فشاءت القدرة التي تنقل خطى موسى - عليه السلام - أن تخفض مما اعتادته نفسه من تلك الحياة ، وأن تزج به في مجتمع الرعاة ، وأن تجعله يستشعر النعمة في أن يكون