سعيد حوي

3983

الأساس في التفسير

سُوءُ الْعَذابِ ، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ . والإيمان بالآخرة هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات ، ويضمن القصد والاعتدال في الحياة ، والذي لا يعتقد بالآخرة لا يملك أن يحرم نفسه شهوة ، أو يكبح فيها نزوة ، وهو يظن أن الفرصة الوحيدة المتاحة له للمتاع هي فرصة الحياة على هذا الكوكب . وهي قصيرة مهما طالت ، وما تكاد تتسع لشئ من مطالب النفوس وأمانيها التي لا تنال ! ثم ما الذي يمسكه حين يملك إرضاء شهواته ونزواته ، وتحقيق لذاته ورغباته ؛ وهو لا يحسب حساب وقفة بين يدي الله ؛ ولا يتوقع ثوابا ولا عقابا يوم يقوم الأشهاد ؟ . ومن ثم يصبح كل تحقيق للشهوة واللذة مزينا للنفس التي لا تؤمن بالآخرة ، تندفع إليه بلا معوق من تقوى أو حياء . والنفس مطبوعة على أن تحب ما يلذ لها ، وأن تجده حسنا جميلا ؛ ما لم تهتد بآيات الله ورسالاته إلى الإيمان بعالم آخر باق بعد هذا العالم الفاني . فإذا هي تجد لذتها في أعماق أخرى وأشواق أخرى ، تصغر إلى جوارها لذائذ البطون والأجسام ؛ والله - سبحانه - هو الذي خلق النفس البشرية على هذا النحو ؛ وجعلها مستعدة للاهتداء إن تفتحت لدلائل الهدى ، مستعدة للعماء إن طمست منافذ الإدراك فيها . وسنته نافذة - وفق مشيئته في حالتي الاهتداء والعماء . ومن ثم يقول القرآن عن الذين لا يؤمنون بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ . . فهم لم يؤمنوا بالآخرة ، فنفذت سنة الله في أن تصبح أعمالهم وشهواتهم مزينة لهم حسنة عندهم . . . وهذا هو معنى التزيين في هذا المقام . فهم يعمهون لا يرون ما فيها من شر وسوء . أو فهم حائرون لا يهتدون فيها إلى صواب . والعاقبة معروفة لمن يزين له الشر والسوء أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ . وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ . سواء كان سوء العذاب لهم في الدنيا أو في الآخرة ، فالخسارة المطلقة في الآخرة محققة جزاء وفاقا على الاندفاع في سوء الأعمال . وتنتهى مقدمة السورة بإثبات المصدر الإلهي الذي يتنزل منه القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ . ولفظ ( تلقى ) يلقي ظل الهدية المباشرة السنية من لدن حكيم عليم . يصنع كل شئ بحكمة ، ويدبر كل أمر بعلم . . وتتجلى حكمته وعلمه في هذا القرآن . في منهجه ،