سعيد حوي
3959
الأساس في التفسير
الترتيب : فقال : وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ قال ابن كثير : ( ذكر أنه يمتنع عليهم ذلك من ثلاثة أوجه : أحدها أنه ما ينبغي لهم ، أي ليس هو من بغيتهم ، ولا من طلبتهم ، لأن من سجاياهم الفساد ، وإضلال العباد ، وهذا فيه الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ونور وهدى وبرهان عظيم ، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة ، ولهذا قال تعالى وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وقوله تعالى : وَما يَسْتَطِيعُونَ أي ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك ، قال الله تعالى : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته لما وصلوا إلى ذلك ، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله ، لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في مدة إنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه ، لئلا يشتبه الأمر ، وهذا من رحمة الله بعباده ، وحفظه لشرعه ، وتأييده لكتابه ولرسوله ولهذا قال تعالى : إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ كما قال تعالى مخبرا عن الجن وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً إلى قومه أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً . ( الجن : 8 - 10 ) وإذ قامت الحجة الكاملة على أن هذا القرآن من عند الله ، وأن الله أنزله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين . فإن السياق الآن يتجه إلى النذير ، آمرا ناهيا ، موجها مؤدبا معلما ، وفي ذلك وحده آية على أن هذا القرآن من عند الله ؛ إذ تجد فيه آمرا أعلى لا تجد في أوامره أثرا للضعف البشري كما تجد أن محمدا مأمور ، مقامه العبودية فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وما كان محمد صلى الله عليه وسلم ليفعل ، ولكنه التحريك له على زيادة الإخلاص ، والتربية لغيره ، ثم لبيان أن منزل هذا القرآن رب العالمين وأن مقام محمد صلى الله عليه وسلم العبودية ، وأنه إذا أخل بمقام العبودية فشأنه أن يعذب : فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فما أجهل الناس بالله . ثم قال تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخص عشيرته الأقربين بالدعوة ، وفي ذلك كذلك دليل على أن هذا القرآن من عند الله ، وعلى أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتخصيص الأقربين بالدعوة دليل على أن الأمر جد وحق وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ثم يصدر له الأمر بخفض الجناح للمؤمنين ، وفي ذلك دليل آخر على أن القرآن من عند الله ، فليست المسألة هنا مسألة زعامة ، ولا جاه ، ولا طلب كبرياء ، فلو كان القرآن أثرا عن كبرياء بشر ما كان فيه مثل هذا الأمر