سعيد حوي
3771
الأساس في التفسير
المعجزات الأخرى ما يدهش ويحير ، وإن فيه من الروعة ما لا يحيط به بيان ، وقد كتبت في آيات منه رسائل وكتب ، إن فيه الكثير مما لو تأمله المنصف فإنه يهتدي إلى الإيمان ، وإن من فهمه واستوعب معانيه يدرك كيف أن في سورة النور بينات ، وكيف أن هذا القرآن من عند الله ، ولقد قدم صاحب الظلال لهذا المقطع بقوله : ( في الدرسين الماضيين من السورة عالج السياق أغلظ ما في الكيان البشري . ليرققه ويطهره ، ويرتفع به إلى آفاق النور . عالج عرامة اللحم والدم ، وشهوة العين والفرج ، ورغبة التجريح والتشهير ، ودفعة الغضب والغيظ . وعالج الفاحشة أن تشيع في النفس وأن تشيع في الحياة ، وأن تشيع في القول . عالجها بتشديد حد الزنا وحد القذف . وعالجها بعرض نموذج شنيع فظيع من رمي المحصنات الغافلات المؤمنات . وعالجها بالوسائل الواقية : بالاستئذان على البيوت ، وغض البصر ، وإخفاء الزينة ، والنهي عن مثيرات الفتنة ، وموقظات الشهوة . ثم بالإحصان ، ومنع البغاء ، وتحرير الرقيق . . كل أولئك ليأخذ الطريق على دفعات اللحم والدم ، ويهيئ للنفوس وسائل العفة والاستعلاء والشفافية والإشراق . وفي أعقاب حديث الإفك عالج ما تخلف عنه من غضب وغيظ ، ومن اضطراب في المقاييس ، وقلق في النفوس . فإذا نفس محمد - رسول الله صلى الله عليه وسلم - مطمئنة هادئة . وإذا نفس عائشة - رضي الله عنها - قريرة راضية . وإذا نفس أبي بكر - رضي الله عنه - سمحة صافية . وإذا نفس صفوان بن المعطل - رضي الله عنه - قانعة بشهادة الله وتبرئته . وإذا نفوس المسلمين آئبة تائبة . وقد تكشف لها ما كانت تخبط فيه من التيه . فثابت إلى ربها ، شاكرة فضله ورحمته وهدايته . . بهذا التعليم . وهذا التهذيب . وهذا التوجيه . عالج الكيان البشري ، حتى أشرق بالنور ؛ وتطلع إلى الأفق الوضيء ؛ واستشرق النور الكبير في آفاق السماوات والأرض ، وهو على استعداد لتلقي الفيض الشامل ، الغامر في عالم كله إشراق ، وكله نور : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . وما يكاد النص العجيب يتجلى حتى يفيض النور الهادئ الوضيء ؛ فيغمر الكون كله ، ويفيض على المشاعر والجوارح ، وينسكب في الحنايا والجوانح ؛ وحتى يسبح الكون كله في فيض النور الباهر ؛ وحتى تعانقه وترشفه العيون والبصائر ؛ وحتى تنزاح الحجب ، وتشف القلوب ، وترف الأرواح .