سعيد حوي

3772

الأساس في التفسير

ويسبح كل شئ في الفيض الغامر ، ويتطهر كل شئ في بحر النور ، ويتجرد كل شئ من كثافته وثقله ، فإذا هو انطلاق ورفرفة ، ولقاء ومعرفة ، وامتزاج وألفة ، وفرح وحبور . وإذا الكون كله بما فيه ومن فيه نور طليق من القيود والحدود ، تتصل فيه السماوات بالأرض ، والأحياء بالجماد ، والبعيد بالقريب ؛ وتلتقي فيه الشعاب والدروب ، والطوايا والظواهر ، والحواس والقلوب . . اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . النور الذي منه قوامها ومنه نظامها . . فهو الذي يهبها جوهر وجودها ، ويودعها ناموسها . . ولقد استطاع البشر أخيرا أن يدركوا بعلمهم طرفا من هذه الحقيقة الكبرى ، عندما استحال في أيديهم ما كان يسمى بالمادة - بعد تحطيم الذرة - إلى إشعاعات منطلقة لا قوام لها إلا النور ! ولا « مادة » لها إلا النور ! فذرة المادة مؤلفة من كهارب وإليكترونات ، تنطلق - عند تحطيمها - في هيئة إشعاع قوامه هو النور ! فأما القلب البشري فكان يدرك الحقيقة الكبرى قبل العلم بقرون وقرون . كان يدركها كلما شف ورف ، وانطلق إلى آفاق النور . ولقد أدركها كاملة شاملة قلب محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففاض بها وهو عائد من الطائف ، نافض كفيه من الناس ، عائذ بوجه ربه يقول : « أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة » . وفاض بها في رحلة الإسراء والمعراج . فلما سألته عائشة : هل رأيت ربك ؟ قال : « نور . أنى أراه . » . ولكن الكيان البشري لا يقوى طويلا على تلقي ذلك الفيض الغامر دائما ، ولا يستشرف طويلا ذلك الأفق البعيد . فبعد أن جلا النص هذا الأفق المترامي ، عاد يقارب مداه ، ويقربه إلى الإدراك البشري المحدود ، في مثل قريب محسوس : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ . الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ . الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ . نُورٌ عَلى نُورٍ . . التفسير : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي هداها فهو الذي هدى السماوات والأرض ومن فيهن . قال ابن عباس فيها : ( أي هادي أهل السماوات والأرض ) فلا هدى إلا بهداه ، فكل نوع من أنواع الهدى فإنما هو به ومنه ، وقد تحدثنا عن ظاهرة الهداية في