سعيد حوي

3353

الأساس في التفسير

الضيق يكون أقرب ما يكون إلى الرحمة ، وفي قوله لأهله امْكُثُوا درس في كمال رحمته وشفقته وغيرته وشجاعته وخدمته لأهله ، وفي استعماله لكلمة لَعَلِّي إشارة إلى دقته في التعبير ؛ إذ بنى الأمر على الرجاء ؛ لئلا يعد ما ليس يستيقن الوفاء به فَلَمَّا أَتاها أي أتى النار واقترب منها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ أي الذي يخاطبك ويكلمك ، وفي ذلك تعليم لنا أن نعرف من نكلفه يوصفنا الذي نكلفه فيه وبما يؤكد أننا متصفون بهذا الوصف ، وقد عرف موسى عليه السلام أن الله يخاطبه بعلامات قال النسفي : ( فعرف أنه كلام الله عزّ وجل بأنه سمعه من جميع جهاته الست ، وسمعه بجميع أعضائه ) فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أي انزعهما ، ثم علل حكمة الأمر بقوله : إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أي المطهر أو المبارك طُوىً هذا اسم الوادي ، علل له الأمر بخلع النعلين بأنه احترام للبقعة ، وتعظيم لها قال سعيد بن جبير : أمره بخلع نعليه تعظيما للبقعة ، كما يؤمر الرجل بخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة ، وفي ذكر الأمر مع تعليله تعليم لنا ألا نأمر إلا مع التعليل للأمر ، فإذا كان الله - عزّ وجل - هذا شأنه فكيف بالبشر مع البشر ؟ وفي حكمة مجيء هذا الأمر من الله بعد إعلامه لموسى أنه الله ، وقبل إعلامه بالاصطفاء والاجتباء ، تعليم لنا بأن مما يساعد الإنسان على أن يتخلص من ارتباكه في المواقف الصعبة أن يفعل شيئا محسوسا في مثل هذه المقامات ، فلا شك أن الأمر بخلع النعلين ، وتنفيذ ذلك من قبل موسى ساعده على تحمل المفاجأة والتخلص من إرباكها ، ثم قال تعالى : وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أي اصطفيتك للنبوة فَاسْتَمِعْ لِما أي للذي يُوحى إليك ، علمه أولا التواضع في هيئته ؛ إذ أمره بخلع النعلين ، ثم طالبه بأدب الإنصات ، فدل ذلك على أن تعليم الأدب وتعلمه هو البداية الصحيحة في التربية ، وكم من مرب لم يبدأ بتعليم الأدب ففاته كل شئ ، وانقلب تعليمه عليه ، ومن ثم نلاحظ أن كل رسول الله عليهم الصلاة والسلام كان يطالب قومه بأمرين : التقوى والطاعة ، كما سنرى في سورة الشعراء ، التقوى لله ، والطاعة له ؛ للتلازم التام بين الأدب مع الله ، والأدب مع رسله ، فعلى وراث النبوة أن يلاحظوا ذلك ، وعلى الراغبين في العلم والتعلم ، والوصول إلى الله أن يعطوا ذلك حقه ، وبعد أن أمر الله موسى عليه السلام أن يستمع إلى ما يقوله ويوحيه له قال : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا قال ابن كثير : هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وبعد أن عرفه على ذاته أمره فَاعْبُدْنِي أي وحدني وأطعني وأقم عبادتي من غير شريك وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أي صل لتذكرني ، أي أقم