سعيد حوي

2106

الأساس في التفسير

وقد سمى الله سبحانه . . يومها يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ . . كما أنه جعلها مفرق الطريق بين الناس في الآخرة كذلك ، لا في هذه الأرض وحدها ؛ ولا في التاريخ البشري على هذه الأرض في الحياة الدنيا وحدها . فقال سبحانه : هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ : فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ ، يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها . . مِنْ غَمٍّ . . أُعِيدُوا فِيها ، وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ . . الحج ( 19 - 24 ) وقد ورد أن هذه الآيات نزلت في الفريقين اللذين التقيا يوم بدر . . يوم الفرقان . . لا في الدنيا وحدها ولا في التاريخ البشري على الأرض وحدها ؛ ولكن كذلك في الآخرة وفي الأبد الطويل . . وتكفي هذه الشهادة من الجليل - سبحانه - لتصوير ذلك اليوم وتقديره . . « لم تكن غزوة بدر الكبرى هي أولى حركات الجهاد الإسلامي فقد سبقتها عدة سرايا ، لم يقع قتال إلا في واحدة منها ، هي سرية عبد الله بن جحش في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة . . وكانت كلها تمشيا مع القاعدة التي يقوم عليها الجهاد في الإسلام . . نعم إنها كلها كانت موجهة إلى قريش التي أخرجت رسول الله صلى الله عليه وسلم . والمسلمين الكرام ؛ ولم تحفظ حرمة البيت الحرام المحرمة في الجاهلية وفي الإسلام . ولكن هذا ليس الأصل في انطلاقة الجهاد الإسلامي . إنما الأصل هو إعلان الإسلام العام بتحرير الإنسان من العبودية لغير الله وبتقرير ألوهية الله في الأرض ؛ وتحطيم الطواغيت التي تعبد الناس ، وإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده . . وقريش كانت هي الطاغوت المباشر الذي يحول بين الناس في الجزيرة وبين التوجه إلى عبادة الله وحده ؛ والدخول في سلطانه وحده . فلم يكن بد أن يناجز الإسلام هذا الطاغوت ، تمشيا مع خطته العامة ؛ وانتصافا - في الوقت ذاته - من الظلم والطغيان اللذين وقعا بالفعل على المسلمين الكرام ؛ ووقاية كذلك لدار الإسلام في المدينة من الغزو والعدوان . . وإن كان ينبغي دائما ونحن نقرر هذه الأسباب المحلية القريبة أن نتذكر - ولا ننسى - طبيعة هذا الدين نفسه وخطته التي تحتمها طبيعته هذه . وهي ألا يترك في الأرض طاغوتا يغتصب سلطان الله ؛ ويعبد الناس لغير ألوهيته وشرعه بحال من الأحوال »