سعيد حوي

2002

الأساس في التفسير

الجاهلية في هذه النفس ، ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ، وملأها بالالتواء من ناحية وبالقسوة من ناحية ، وبالجبن من ناحية ، وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية . وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعا . فليس أفسد للنفس البشرية من الذل ، والخضوع للطغيان طويلا ، ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب والحركة في الظلام ، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء . ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلا ، عاشوا في ظل الإرهاب وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك . عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم . فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال . وفسدت نفوسهم ، وفسدت طبيعتهم ، والتوت فطرتهم وانحرفت تصوراتهم ، وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر . . وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلا للإرهاب والطغيان . . لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله ، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ، وهو يقول لعماله على الأمصار موصيا لهم بالناس : « ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم » . . كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس . وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله . فالناس في مملكة الله أعزاء ، ويجب أن يكونوا أعزاء ، وألا يضربهم الحكام فيذلوهم ، لأنهم ليسوا عبيدا للحكام . إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله . . ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا . بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني . . ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام ، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر . . فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه . من ابن فاتح مصر وحاكمها وسافر شهرا على ظهر ناقة ، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ، وكان هو يصبر على السياط منذ