سعيد حوي

1951

الأساس في التفسير

منها ! ! قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها إن الذي يعود إلى ملة الطاغوت الجاهلية ، التي لا يخلص فيها الناس الدينونة والطاعة لله وحده ، والتي يتخذ الناس فيها أربابا من دون الله يقرون لهم بسلطان الله . . إن الذي يعود إلى هذه الملة - بعد إذ قسم الله له الخير وكشف له الطريق ، وهداه إلى الحق ، وأنقذه من العبودية للعبيد - إنما يؤدي شهادة كاذبة على الله ودينه ، شهادة مؤداها أنه لم يجد في ملة الله خيرا فتركها وعاد إلى ملة الطاغوت ! وأن وجودها لا يتنافى مع الإيمان بالله . فهو يعود إليها ويعترف بها بعد أن آمن بالله . . وهي شهادة خطيرة أخطر من شهادة من لم يعرف الهدى ، ولم يرفع راية الإسلام . شهادة الاعتراف براية الطغيان وراء اغتصاب سلطان الله في الحياة . وكذلك يستنكر شعيب - عليه السلام - ما يتهدده به الطغاة من إعادته هو والذين آمنوا معه إلى الملة التي أنجاهم الله منها : وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها . وما من شأننا أصلا : وما ينبغي لنا قطعا أن نعود فيها . . يقولها وأمامه التهديد الذي يزاوله الطاغوت في كل أرض مع الجماعة المسلمة ، والتي تعلن خروجها عن سلطانه ، ودينونتها لله وحده بلا شريك معه أو من دونه . إن تكاليف الخروج من العبودية للطاغوت والدينونة لله وحده - مهما عظمت وشقت - أقل وأهون من تكاليف العبودية للطواغيت ! إن تكاليف العبودية للطواغيت فاحشة - مهما لاح فيها من السلامة والأمن والطمأنينة على الحياة والمقام والرزق ! إنها تكاليف بطيئة طويلة مديدة ! تكاليف في إنسانية الإنسان ذاته . فهذه « الإنسانية » لا توجد ، والإنسان عبد للإنسان - وأي عبودية شر من خضوع الإنسان لما يشرعه له إنسان ؟ ! وأي عبودية شر من تعلق قلب إنسان بإرادة إنسان آخر به ، ورضاه أو غضبه عليه ؟ ! . . وأي عبودية شر من أن تتعلق مصائر إنسان بهوى مثله ورغباته وشهواته ؟ ! وأي عبودية شر من أن يكون للإنسان خطام أو لجام يقوده منه كيفما شاء إنسان ؟ ! على أن الأمر لا يقف عند حد هذه المعاني الرفيعة . . إنه يهبط ويهبط حتى يكلف الناس - في حكم الطواغيت - أموالهم التي لا يحميها شرع ولا يحوطها سياج . كما يكلفهم أولادهم إذ ينشئهم الطاغوت كما شاء على ما شاء من التصورات والأفكار والمفهومات والأخلاق والتقاليد والعادات فوق ما يتحكم في أرواحهم وفي حياتهم ذاتها ، فيذبحهم على مذبح هواه ويقيم من جماجمهم وأشلائهم أعلام المجد لذاته والجاه ! ثم