سعيد حوي

1702

الأساس في التفسير

وحرّض الملك على قتل الصبي ، فحشد له جندا من القادة والفرسان ، وخرجوا إلى الكهف الذي قيل لهم إن الصبي مختبئ فيه ، فإذا بينه وبينهم سحب لا ينفذ النظر إلى ما وراءها ، وإذا بهم مجفلون لا يقدرون على الثبات . فلما عادوا إلى النمروذ وشرحوا له ما عاينوه قال لهم : لا مقام لنا بهذه الديار ! وخرج من بلده إلى أرض بابل فلحق به إبراهيم على جناح جبريل ، ولقي هناك أبويه ، ثم بدأنا بالدعوة إلى اللّه : الإله الأحد الذي لا إله غيره ، رب السماوات ، ورب الأرباب ورب النمروذ . وأنذرهم أن يتركوا عبادة الصنم الذي صنعوه على مثال النمروذ . فإن له فما ولكنه لا ينطق ، وعينا ولكنه لا يبصر ، وأذنا ولكنه لا يسمع ، وقدما ولكنه لا يسعى ، ولا ينفع نفسه ، ولا يغني عن غيره شيئا . وأسرع أبوه إلى الملك يبلغه أن ابنه إبراهيم طوى مسيرة أربعين يوما في أقل من يوم ، ثم لحق به إبراهيم إلى قصر الملك فهز عرشه بيديه وصاح به : « أيها الشقي ! إنك تنكر الحق ، وتنكر اللّه الحي الصمد . وتنكر عبده إبراهيم خادم بيته الأمين » . ويخاف النمروذ فيأمر تارح أن يعود بابنه إلى موطنه ، ثم تتكاثر الروايات في عشرات من كتب المدارس والتفسيرات حول ما حدث بعد ذلك بين إبراهيم وقومه ، وبينه وبين الملأ والملك وكهنة الأرباب ، مما تغني هذه الأمثلة عن تفصيله واستقصائه ، وبعضه كما تقدم معوّل عليه عند اليهود ، وبعضه من قبيل ضرب الأمثال بالنوادر والأعاجيب . . وليس من المطلوب أن نتتبع هذه القصص والنوادر لأنها تستوعب ألوف الصفحات ، ولكننا نأخذ منها ما ينتظم في أغراض هذا الكتاب ، ومنها ما يدل على تفكير واضعيه ، أو يفيد عند المقابلة بين المصادر ، أو يلاحظ فيه الوضع لطرافته الأدبية والفنية ، أو يتمم صورة أخرى ناقصة في خبر من الأخبار . فمما ورد في « مدراش رباه » أن أباه حنق عليه حين كسر الأصنام فخاصمه إلى النمروذ ، فسأله النمروذ : إن كنت لا تعبد الصور والمشبهات فلما ذا لا تعبد النار ؟ قال إبراهيم : أولى من عبادة النار أن أعبد الذي يطفئها . قال النمروذ : فاعبد الماء إذن ؟ قال إبراهيم : بل أولى من عبادة الماء أن أعبد السحاب الذي يحمله . قال النمروذ : إذن تعبد السحاب . .