سعيد حوي

1658

الأساس في التفسير

وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ . . آماد وآفاق وأغوار في « المنظور » ، على استواء وسعة وشمول . . تناسب في عالم الشهود والمشهود تلك الآماد والآفاق والأغوار في عالم الغيب المحجوب . وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها . . حركة الموت والفناء ، وحركة السقوط والانحدار ، من علو إلى سفل ، ومن حياة إلى اندثار . وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ . . حركة البزوغ والنّماء . المنبثقة من الغور إلى السطح ، ومن كمون وسكون إلى اندفاع وانطلاق . وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ . . التعميم الشامل ، الذي يشمل الحياة والموت والازدهار والذبول ، في كل حي على الإطلاق . . فمن ذا الذي يبدع ذلك الاتجاه والانطلاق ؟ ومن ذا الذي يبدع هذا التناسق والجمال ؟ . . من ذا الذي يبدع هذا كله وذلك ، في مثل هذا النص القصير . . من ؟ إلا اللّه ! ثم نقف عند قوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ . . نقف لنقول كلمة عن « الغيب » و « مفاتحه » واختصاص اللّه - سبحانه - « بالعلم » بها . . ذلك أن حقيقة الغيب من « مقومات التصور الإسلامي » الأساسية ؛ لأنها من مقومات العقيدة الإسلامية ، ومن قواعد « الإيمان » الرئيسية . . وذلك أن كلمات « الغيب » و « والغيبية » تلاك في هذه الأيام كثيرا - بعد ظهور المذهب المادي - وتوضع في مقابل « العلم » و « العلمية » . . والقرآن الكريم يقرر أن هناك « غيبا » لا يعلم « مفاتحه » إلا اللّه . ويقرر أن ما أوتيه الإنسان من العلم قليل . . وهذا القليل إنما آتاه اللّه له بقدر ما يعلم هو - سبحانه - من طاقته ومن حاجته ، وأن الناس لا يعلمون - فيما وراء العلم الذي أعطاهم اللّه إياه - إلا ظنا ، وأن الظن لا يغني عن الحق شيئا . . كما يقرر - سبحانه - أن اللّه قد خلق هذا الكون ، وجعل له سننا لا تتبدّل وأنّه علّم الإنسان أن يبحث عن هذه السنن ويدرك بعضها ، ويتعامل معها - في حدود طاقته وحاجته - وأنّه سيكشف له من هذه السنن في الأنفس والآفاق ما يزيده يقينا وتأكدا أن الذي جاءه من عند ربه هو الحق . . دون أن يخل هذا الكشف عن سنن اللّه التي لا تبديل لها بحقيقة « الغيب » المجهول للإنسان ، والذي سيظل كذلك مجهولا ، ولا بحقيقة طلاقة مشيئة اللّه وحدوث كل شئ بقدر غيبي خاص من اللّه ،