سعيد حوي
1657
الأساس في التفسير
ويرتقبون إنباته . . فأما تتبع كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض فمما لا يخطر للبشر على بال أن يهتموا به ، ولا أن يلحظوا وجوده ، ولا أن يعبر به عن العلم الشامل ! إنما الحب المخبوء في ظلمات الأرض شأن يحصيه الخالق ، ويعبر عنه الخالق ، وما اهتمام الفكر البشري بهذا الإطلاق : « ولا رطب ولا يابس » . . إن أقصى ما يتجه إليه تفكير البشر هو الانتفاع بالرطب واليابس مما بين أيديهم . . فأما التحدث عنه كدليل للعلم الشامل . فهذا ليس من المعهود في اتجاه البشر وتعبيراتهم كذلك ! إنما كل رطب وكل يابس شأن يحصيه الخالق ويعبر عنه الخالق ! ولا يفكر البشر أن تكون كل ورقة ساقطة ، وكل حبة مخبوءة ، وكل رطب وكل يابس في كتاب مبين ، وفي سجل محفوظ . . فما شأنهم بهذا ، وما فائدته لهم ؟ وما احتفالهم بتسجيله ؟ إنما الذي يحصيه ويسجله هو صاحب الملك ، الذي لا يندّ عنه شئ في ملكه ، الصغير كالكبير ، الحقير كالجليل ، والمخبوء كالظاهر ، والمجهول كالمعلوم ، والبعيد كالقريب . . إن هذا المشهد الشامل الواسع العميق الرائع . . مشهد الورق الساقط من شجر الأرض جميعا ، والحب المخبوء في أطواء الأرض جميعا ، والرطب واليابس في أرجاء الأرض جميعا . . إن هذا المشهد كما أنه لا يتجه إليه الفكر البشري والاهتمام البشري ؛ كذلك لا تلحظه العين البشرية ، ولا تلمّ به النظرة البشرية . . إنه المشهد الذي يتكشف هكذا بجملته لعلم اللّه وحده ؛ المشرف على كل شئ ، المحيط بكل شئ . . الحافظ لكل شئ ، الذي تتعلق مشيئته وقدره بكل شئ . . الصغير كالكبير ، والحقير كالجليل ، والمخبوء كالظاهر ، والمجهول كالمعلوم ، والبعيد كالقريب . . والذين يزاولون الشعور ويزاولون التعبير من بني البشر يدركون جيّدا حدود التصور البشري وحدود التعبير البشري أيضا . ويعلمون - من تجربتهم البشرية - أن مثل هذا المشهد ، لا يخطر على القلب البشري ، كما أن مثل هذا التعبير لا يتأتى له أيضا . . والذين يمارون في هذا عليهم أن يراجعوا قول البشر كله ، ليروا إن كانوا قد اتجهوا مثل هذا الاتجاه أصلا ! وهذه الآية وأمثالها في القرآن الكريم تكفي وحدها لمعرفة مصدر هذا الكتاب الكريم . . كذلك ننظر إليها من ناحية الإبداع في التعبير ذاته ، فنرى آفاقا من الجمال والتناسق لا تعرفها أعمال البشر ، على هذا المستوى السامق : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ . . آماد وآفاق وأغوار في « المجهول » المطلق ، في الزمان والمكان ، وفي الماضي والحاضر والمستقبل ، وفي أحداث الحياة وتصورات الوجدان .