سعيد حوي
1646
الأساس في التفسير
وقدّمهم هم في الصف كونهم من السابقين إلى الإسلام ، وهو في شدة الابتلاء . . فلما أن عاتبهم أبو بكر رضي اللّه عنه في أمر أبي سفيان ، حذره صاحبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يكون قد أغضب « هؤلاء الأعبد » ! فيكون قد أغضب اللّه - يا اللّه ! فما يملك أي تعليق يبلغ هذا المدى وما نملك اليوم إلا أن نتملاه ! - ويذهب أبو بكر رضي اللّه عنه يترضّى « الأعبد » ليرضى اللّه : « يا إخوتاه أغضبتكم » ؟ فيقولون : « لا يا أخي . يغفر اللّه لك » ! أي شئ هائل هذا الذي تحقق في حياة البشرية ؟ أية نقلة واسعة هذه التي قد تمت في واقع الناس ؟ أي تبديل في القيم والأوضاع ، وفي المشاعر والتصورات ، في آن ؟ والأرض هي الأرض ، والبيئة هي البيئة ، والناس هم الناس ، والاقتصاد هو الاقتصاد . . وكل شئ على ما كان ، إلا وحيا نزل من السماء على رجل من البشر ، فيه من اللّه سلطان . . يخاطب فطرة البشر من وراء الركام ، ويحدو للهابطين هنالك عند السفح ، فيستجيشهم الحداء - على طول الطريق - إلى القمة السامقة . . فوق . . هنالك عند الإسلام ! ثم تتراجع البشرية عن القمة السامقة ؛ وتنحدر مرة أخرى إلى السفح . وتقوم - مرة أخرى - في نيويورك ، وواشنطن ، وشيكاغو . . وفي جوهانسبرج . . وفي غيرها من أرض « الحضارة ! » تلك العصبيات النتنة ، عصبيات الجنس واللون ، وتقوم هنا وهناك عصبيات « وطنية » و « طبقية » لا تقل نتنا عن تلك العصبيات . . ويبقى الإسلام هناك على القمة . . حيث ارتسم الخط الوضيء الذي بلغته البشرية . . يبقى الإسلام هناك - رحمة من اللّه بالبشرية - لعلها أن ترفع أقدامها من الوحل ، وترفع عينيها عن الحمأة وتتطلع مرة أخرى إلى الخط الوضيء ، وتسمع مرة أخرى حداء هذا الدين وتعرج مرة أخرى إلى القمة السامقة على حداء الإسلام . . ونحن لا نملك - في حدود منهجا في هذه الظلال - أن نستطرد إلى أبعد من هذه الإشارة . . لا نملك أن نقف هنا تلك « الوقفة الطويلة » التي ندعو البشرية كلها أن تقفها أمام هذه النصوص ودلالتها . لتحاول أن تستشرف المدى الهائل الذي يرتسم من خلالها في تاريخ البشرية ؛ وهي تصعد على حداء الإسلام من سفح الجاهلية الهابط ، إلى القمة السامقة البعيدة . . ثم تهبط مرة أخرى على عواء « الحضارة المادية » الخاوية من الروح والعقيدة ! ولتحاول كذلك أن تدرك إلى أين يملك الإسلام اليوم أن يقود خطاها مرة أخرى ، بعد أن فشلت جميع التجارب ، وجميع المذاهب ، وجميع الأوضاع ،