سعيد حوي

1590

الأساس في التفسير

هذه الحقائق وهذه المشاعر لن يقوى على تكاليف « إنشاء » الإسلام من جديد في وجه الجاهلية الطاغية . وهي تكاليف هائلة تنوء بها الجبال ! ثم ما أحوج العصبة المؤمنة - بعد أن تستيقن حقيقة مهمتها في الأرض اليوم ؛ وبعد أن تستوضح حقيقة العقيدة التي تدعو إليها ، ومقتضياتها من إفراد اللّه سبحانه بالولاء بكل مدلولاته ، وبعد أن تستصحب معها في مهمتها الشاقة تلك الحقائق والمشاعر . . ما أحوجها بعد ذلك كله إلى موقف الإشهاد والقطع والمفاصلة والتبرؤ من الشرك الذي تزاوله الجاهلية البشرية اليوم ، كما كانت تزاوله جاهلية البشرية الأولى . وأن تقول ما أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقوله ؛ وأن تقذف في وجه الجاهلية ؛ بما قذف به في وجهها الرسول الكريم ، تنفيذا لأمر ربه العظيم : قُلْ : أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً ؟ قُلِ : اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ . أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ؟ قُلْ : لا أَشْهَدُ . قُلْ : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . . إنه لا بد أن تقف العصبة المسلمة في الأرض ، من الجاهلية التي تغمر الأرض ، هذا الموقف ، لا بد أن تقذف في وجهها بكلمة الحق هذه عالية مدوية ، قاطعة ، مزلزلة رهيبة . . ثم تتجه إلى اللّه تعلم أنه على كل شئ قدير ، وأنه هو القاهر فوق عباده . وأن هؤلاء العباد - بما فيهم الطواغيت المتجبرون - أضعف من الذباب ، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ! وأنهم ليسوا بضارين من أحد إلا بإذن اللّه ؛ وليسوا بنافعين أحدا إلا بإذن اللّه ، وأن اللّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ولا بد أن تستيقن العصبة المسلمة كذلك أنها لن تنصر ولن يتحقق لها وعد اللّه بالتمكين في الأرض ، قبل أن تفاصل الجاهلية على الحق عند مفترق الطريق . وقبل أن تعلن كلمة الحق في وجه الطاغوت ، وقبل أن تشهد على الجاهلية هذا الإشهاد ، وتنذرها هذه النذارة ، وتعلنها هذا الإعلان ، وتفاصلها هذه المفاصلة . وتتبرأ منها هذه البراءة . إن هذا القرآن لم يأت لمواجهة موقف تاريخي ؛ إنما جاء منهجا مطلقا خارجا عن قيود الزمان والمكان . منهجا تتخذه الجماعة المسلمة حيثما كانت في مثل الموقف الذي تنزّل فيه هذا القرآن . وهي اليوم في مثل هذا الموقف تماما ؛ وقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا القرآن لينشئ الإسلام في الأرض إنشاء . . فليكن اليقين الجازم بحقيقة هذا الدين . والشعور الواضح بحقيقة قدرة اللّه وقهره . والمفاصلة الحاسمة مع