سعيد حوي

1573

الأساس في التفسير

يعرضون عنها ، فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها . وكمثال على ذلك تكذيبهم بالقرآن الذي هو أعظم آية وأكبرها إعجازا ، ثمّ هدّدهم وتوعّدهم وعيدا شديدا على تكذيبهم بالحق ، بأنه لا بدّ أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب ، وليجدنّ غبّه وليذوقنّ وباله ، ثم قال تعالى واعظا ومحذّرا لهم أن يصيبهم من العذاب والنّكال الدنيوي ما حلّ بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة ، الذين كانوا أشدّ منهم قوّة وأكثر جمعا ، وأكثر أموالا وأولادا ، واستعلاء في الأرض وعمارة لها ، أعطاهم من الأموال والأولاد والأعمال والجاه العريض ، والسّعة والجنود ، وأكثر عليهم من أمطار السماء ، وينابيع الأرض ، استدراجا وإملاء لهم ، ثم أهلكهم بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترحوها ، وأنشأ من بعدهم جيلا آخر ليختبرهم ، فعملوا مثل أعمالهم فأهلكوا كإهلاكهم . إنّ الإنسان لو تأمّل هذا الموضوع ، فتأمّل فعل اللّه في الأمم السالفة فإنّه يتّعظ ويؤمن ، ويترك الكبر والكفر ، ويعمل للّه ، ويعمل لآخرته ، ويوقن أنّه كان واجب السابقين الشكر ولم يشكروا ، وأنّ واجب اللاحقين الشكر فليشكروا ، والمتأمل يرى كيف أن المقطع يسير على نسق المحور العام لسورة الأنعام في مناقشة الكافرين ، بالتدليل على قدرة اللّه ، واستخراج شكره ، والتهييج على معرفته ، وتقرير الرجوع إليه . ثمّ يستمرّ المقطع بالإخبار عن المشركين ، وعنادهم ومكابرتهم للحق ، ومباهتتهم ومنازعتهم فيه ، حتى لو أنزل عليهم كتاب من السماء فعاينوه ورأوا إنزاله ، وباشروا ذلك لقالوا : إنّ هذا سحر واضح ، فالعلّة في كفر الكافرين إذن هي مرضهم لا قلّة الآيات ولا انعدامها ، فالآيات موجودة وكثيرة ، ولكن طبيعتهم الجاحدة هي التي تستكبر عن الرؤية والإيمان ، وكأثر عن هذه الطبيعة الكافرة الجاحدة اقتراحهم الاقتراحات من أجل الإيمان - في زعمهم - وهم كذبة ، ومن اقتراحاتهم ما قصّه اللّه علينا في هذا السياق أنّهم اقترحوا أن ينزل عليهم ملك من السماء ليكون مع رسول اللّه نذيرا . وقد ردّ اللّه عليهم أنّه لو نزّل الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من اللّه العذاب ، فتلك سنّة اللّه ، ثمّ بين لهم أنّه حتى لو أنزل مع الرسول البشري ملكا ، أي : لو بعث إلى البشر رسولا ملكيا لكان على هيئة الرجل لتمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ منه ، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما هم يلبّسون على أنفسهم في قبول رسالة الرّسول البشريّ ، فلو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل ؛ لأنهم لا يستطيعون النّظر إلى الملائكة من النّور ، وفي هذه الحالة يبقى الالتباس ، والخلاصة أنهم اقترحوا نزول الملك وذلك يخالف السّنن ؛ لأن الملك من عالم الغيب ، وقد أمروا أن يؤمنوا بالغيب ؛ ممتحنين في ذلك ، وهم لا يقومون بواجبهم ويقترحون على اللّه تغيير سننه ، ولو أنّه