سعيد حوي

1525

الأساس في التفسير

وقال القرطبي في سياق تفسيره للآية : روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن اللّه حرم عليكم عقوق الأمهات ، ووأد البنات ، ومنعا وهات . وكره لكم ثلاثا : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال » . . قال كثير من العلماء : المراد بقوله : « وكثرة السؤال » : التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطّعا ، وتكلّفا فيما لم ينزل ، والأغلوطات ، وتشقيق المولدات . وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف . ويقولون : إذا نزلت النازلة وفّق المسؤول لها . . إنه منهج واقعي جاد . يواجه وقائع الحياة بالأحكام ، المشتقة لها من أصول شريعة اللّه ، مواجهة عملية واقعية . . مواجهة تقدر المشكلة بحجمها وشكلها وظروفها كاملة وملابساتها ، ثم تقضي فيها بالحكم الذي يقابلها ويغطيها ويشملها وينطبق عليها انطباقا كاملا دقيقا . . فأما الاستفتاء عن مسائل لم تقع ، فهو استفتاء عن فرض غير محدد . وما دام غير واقع فإن تحديده غير مستطاع . والفتوى عليه حينئذ لا تطابقه لأنه فرض غير محدد . والسؤال والجواب عندئذ يحملان معنى الاستهتار بجدية الشريعة ؛ كما يحملان مخالفة للمنهج الإسلامي القويم . ومثله الاستفتاء عن أحكام شريعة اللّه في أرض لا تقام فيها شريعة اللّه لغير التفقه ، والفتوى على هذا الأساس لغير مريد العمل ! ! إن شريعة اللّه لا تستفتى إلا ليطبق حكمها وينفذ . . فإذا كان المستفتي والمفتي كلاهما يعلمان أنهما في أرض لا تقيم شريعة ، ولا تعترف بسلطان اللّه في الأرض وفي نظام المجتمع وفي حياة الناس . . أي : لا تعترف بألوهية اللّه في هذه الأرض ولا تخضع لحكمه ولا تدين لسلطانه . . فما استفتاء المستفتي ؟ وما فتوى المفتي ؟ إنهما - كليهما - يرخصان شريعة اللّه ، ويستهتران بها ، شاعرين أو غير شاعرين سواء ! ومثله تلك الدراسات النظرية المجردة لفقه الفروع وأحكامه في الجوانب غير المطبقة . . إنها دراسة للتلهية ! لمجرد الإيهام بأن لهذا الفقه مكانا في هذه الأرض التي تدرسه في معاهدها ولا تطبقه في محاكمها ! وهو إيهام يبوء بالإثم من يشارك فيه ، ليخدّر مشاعر الناس بهذا الإيهام ! إن هذا الدين جد . وقد جاء ليحكم الحياة . جاء ليعبّد الناس للّه وحده ، وينزع من المغتصبين لسلطان اللّه هذا السلطان فيرد الأمر كله إلى شريعة اللّه لا إلى شرع أحد سواه . . وجاءت هذه الشريعة لتحكم الحياة كلها ، ولتواجه بأحكام اللّه حاجات الحياة الواقعية وقضاياها ، ولتدلي بحكم اللّه في الواقعة حين تقع بقدر حجمها وشكلها وملابساتها . ولم يجئ هذا الدين ليكون مجرد شارة أو شعار . ولا لتكون شريعته