سعيد حوي
1512
الأساس في التفسير
من التقوى والإيمان والعمل الصالح ، فإذا كان الإنسان تقيا مؤمنا عاملا وأكل حلالا حتى ارتقى إلى حقيقة الإيمان والتقوى ثم إلى حقيقة التقوى والإحسان ، فهذا لا جناح عليه فيما طعم حالا أو مآلا ، أما إذا كان أكل الحلال لا يرافقه ارتقاء بل يرافقه انحدار فذلك الذي تحذّر منه الآية ، فأكل الحلال يحتاج إلى شكر ، وشكره الارتقاء إلى المقامات العالية من التقوى والإيمان ، ثم إلى التقوى والإحسان ، وعلى هذا الفهم فإن الآية تحضّ المؤمنين العاملين أن يؤدوا شكر الإطعام المباح بالارتقاء إلى المقامات العليا وتحذّر من النزول . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ معنى يبلو : يختبر وهو من اللّه لإظهار ما علم من العبد على ما علم ، لا لعلم ما لم يعلم بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ أفاد التعبير : التقليل ليفيد أنه ليس من الفتن العظام تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ . أي : تنالونه أخذا بأيديكم يعني : صغار الصيد ، وفراخه ، وضعافه ، وطعنا برماحكم وذلك كبار الصيد لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ . أي : ليعلم اللّه خوف الخائف منه بالامتناع عن الاصطياد موجودا ، كما كان يعلم قبل وجوده أنه يوجد ، ليثيبه على عمله لا على علمه فيه فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ . أي : فمن صاد بعد هذا الإعلام والإنذار فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ . أي : لمخالفته أمر اللّه وشرعه ، وقد ظهر الابتلاء هذا على أشده يوم الحديبية قال مقاتل بن حيان : أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط ، فنهاهم اللّه عن قتله وهم محرمون والابتلاء مستمر إلى يوم القيامة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ . أي : المصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ . أي : في حال إحرامكم أي وأنتم محرمون للحج أو للعمرة أو لهما معا وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً . أي : ذاكرا لإحرامه ، أو عالما أن ما يقتله مما يحرم قتله عليه . قال النسفي : فإن قتله ناسيا لإحرامه ، أو رمى صيدا وهو يظن أنه ليس بصيد فهو مخطئ ، وإنما شرط التعمد في الآية مع أن محظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ ، لأن مورد الآية فيمن تعمّد . . . ولأن الأصل فعل المتعمّد ، والخطأ ملحق به للتغليظ . فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ . أي : فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد . قال النسفي : وهو قيمة الصيد يقوّم حيث صيد ، فإن بلغت قيمته ثمن هدي خيّر بين أن يهدي من النّعم ما قيمته قيمة الصيد ، وبين أن يشتري بقيمته طعاما فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من غيره ، وإن شاء صام عن طعام كلّ مسكين يوما . وعند محمد والشافعي : مثله : نظيره من النّعم ، فإن لم يوجد له نظير من