سعيد حوي
1492
الأساس في التفسير
في بداية المقطع بيّن أنه لا يحب المعتدين ، وهاهنا بيّن أنه يحب المحسنين ، وهذا يؤكد فهمنا أنّ المقطع فيه تحرير وبناء ، وتخلية وتحلية ، وكذلك السورة كلها . ثمّ بين اللّه - عزّ وجل - هنا - بعد أن بيّن في أوّل السورة حرمة الصيد على المحرم أنّ اللّه - عزّ وجل - قد يبتلينا في حالة إحرامنا بضعيف الصيد وصغيره حتى لو شئنا أن نناله بأيدينا لنلناه ، وقد يبتلينا بالكبار منه حتى لو شئنا أن نناله بأسلحتنا لنلناه ، وذلك كله اختبار لنا لتظهر طاعة من يطيع منّا في سرّه وجهره فيما نهانا عنه وحرّمه علينا . إنّه قد يختبرنا بالصّيد يغشانا في رحالنا نتمكن من أخذه بالأيدي والسّلاح في حالة إحرامنا ، ليظهر من يخاف اللّه بالغيب ممّن لا يخافه ، ثمّ بين تعالى أنّ من يعتدي بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدّم فإنّ له عذابا أليما لمخالفته أمر اللّه وشرعه ، ثمّ نهى اللّه - عزّ وجل - عن قتل الصيد في حال الإحرام ، وهذا تحريم منه تعالى للصيد في تلك الحالة ونهي عن تعاطيه ، وما يدخل في هذا وما يستثنى منه سنراه ، ثمّ بيّن تعالى أنّ من أصاب صيدا عمدا أو خطأ فعليه الجزاء ، مع ملاحظة أنّ المتعمّد مأثوم ، والمخطئ غير ملوم . وأن هذا الجزاء ينبغي أن يكون من مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي ، وهل تصح القيمة أو لا تصح ؟ قولان للفقهاء ، وأما إذا لم يكن الصيد مثليا فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إلى مكة كما رواه البيهقي . وتفصيل هذا سنراه . هذا الجزء يجب أن يكون الحكم فيه في المثلي ، أو بالقيمة في غير المثلي ، لرجلين عدلين من المسلمين ، واختلف العلماء في القاتل هل يجوز أن يكون أحد الحكمين أولا ؟ على قولين سنراهما ، هذا الجزاء يجب أن يصل إلى الكعبة ، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك ، ويوزّع لحمه على مساكين الحرم ، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة ، وإذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم ، أو لم يكن الصيد من ذوات الأمثال فإنه يقوّم مثله من النعم لو كان موجودا ، ثم يشترى به طعام فيتصدق به لكل مسكين مدّ على رأي ، ومدّان على رأي آخر ، فإن لم يجد صام عن إطعام كل مسكين يوما ، وبعضهم قال : هو في الأصل مخيّر بين الجزاء والإطعام ، فإن لم يجد فالصيام . واختلفوا هل لا يجوز الإطعام إلا في الحرم على قولين ، وتفصيل ذلك كله سيأتي ، وإنما فرض اللّه الجزاء والكفّارة تأديبا ، ثمّ بين اللّه - عزّ وجل - أنّ هذا الحكم لا يطالب به أحد قبل نزوله ، فإنّ ما كان من قبل ذلك فهو عفو ، ثمّ هدّد اللّه من يجترئ على الصيد وهو محرم بحيث يتكرر منه الاجتراء بالانتقام منه ، فاللّه - عزّ وجل - عزيز منتقم بمعنى : أنّه منيع في سلطانه لا يقهره قاهر ، ولا يمنعه من الانتقام