سعيد حوي
1477
الأساس في التفسير
فما غناء أن تنهى الناس عن أكل الحرام مثلا في مجتمع يقوم اقتصاده كله على الربا ؛ فيستحيل ماله كله حراما ؛ ولا يملك فرد فيه أن يأكل من حلال . . لأن نظامه الاجتماعي والاقتصادي كله لا يقوم على شريعة اللّه . لأنه ابتداء يرفض ألوهية اللّه برفض شريعته للحياة ؟ ! وما غناء أن تنهى الناس عن السكر في مجتمع قانونه يبيح تداول وشرب الخمر ، ولا يعاقب إلا على حالة السكر البيّن في الطريق العام . وحتى هذه لا يعاقب فيها بحد اللّه . لأنه لا يعترف ابتداء بحاكمية اللّه ؟ ! . وما غناء أن تنهى الناس عن سبّ الدين ؛ في مجتمع لا يعترف بسلطان اللّه ؛ ولا يعبد فيه اللّه . إنما هو يتخذ أربابا من دونه ؛ ينزلون له شريعته وقانونه ؛ ونظامه وأوضاعه ، وقيمه وموازينه . يضعون لهم الشرائع والقوانين ؛ ويضعون لهم القيم والموازين ؟ ! ما غناء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مثل هذه الأحوال ؟ ما غناء النهي عن هذه الكبائر - فضلا عن أن يكون النهي عن الصغائر - والكبيرة الكبرى لا نهي عنها . . كبيرة الكفر باللّه ، برفض منهجه للحياة ؟ ! إن الأمر أكبر وأوسع وأعمق ، مما ينفق فيه هؤلاء « الطيبون » جهدهم وطاقتهم واهتمامهم . . إنه - في هذه المرحلة - ليس أمر تتبع الفرعيات - مهما تكن ضخمة حتى ولو كانت هذه حدود اللّه . فحدود اللّه تقوم ابتداء على الاعتراف بحاكمية اللّه دون سواه . فإذا لم يصبح هذا الاعتراف حقيقة واقعة ؛ تتمثل في اعتبار شريعة اللّه هي المصدر الوحيد للتشريع ؛ واعتبار ربوبية اللّه وقوامته هي المصدر الوحيد للسلطة . . فكل جهد في الفروع ضائع ؛ وكل محاولة في الفروع عبث . . والمنكر الأكبر أحق بالجهد والمحاولة من سائر المنكرات . . والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه . وذلك أضعف الإيمان » . وقد يجئ على المسلمين زمان لا يستطيعون فيه تغيير المنكر بأيديهم ؛ وهذا ما لا يملك أحد أن يحول بينهم وبينه ، إن هم كانوا حقا على الإسلام . وليس هذا موقفا سلبيا من المنكر - كما يلوح في بادئ الأمر - وتعبير الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه تغيير دليل على أنه عمل إيجابي في طبيعته . فإنكار المنكر بالقلب ، معناه احتفاظ هذا القلب بإيجابيته تجاه المنكر . . إنه ينكره ويكرهه ولا يستسلم له ، ولا يعتبره الوضع