سعيد حوي
1411
الأساس في التفسير
هذا التصادم . وهو منهج قائم على العدل المطلق . . أولا . . لأن اللّه يعلم حق العلم بما يحقق العدل المطلق وكيف يتحقق . . وثانيا . . لأنه - سبحانه - رب الجميع ؛ فهو الذي يملك أن يعدل بين الجميع ؛ وأن يجئ منهجه وشرعه مبرّأ من الهوى والميل والضعف - كما أنه مبرّأ من الجهل ؛ والقصور والغلو والتفريط - الأمر الذي لا يمكن أن يتوافر في أي منهج أو في أي شرع من صنع الإنسان ، ذي الشهوات والميول ، والضعف والهوى - فوق ما به من الجهل والقصور - سواء كان المشرّع فردا ، أو طبقة ، أو أمة ، أو جيلا من أجيال البشر . . فلكل حالة من هذه الحالات أهواؤها وشهواتها وميولها ورغباتها ؛ فوق أنّ لها جهلها وقصورها وعجزها عن الرؤية الكاملة لجوانب الأمر كله حتى في الحالة الواحدة في الجيل الواحد . . وهو منهج متناسق مع ناموس الكون كله . لأن صاحبه هو صاحب هذا الكون كله . صانع الكون وصانع الإنسان . فإذا شرع للإنسان شرع له كعنصر كوني ، له سيطرة على عناصر كونية مسخرة له بأمر خالقه ، بشرط السير على هداه ، وبشرط معرفة هذه العناصر والقوانين التي تحكمها . . ومن هنا يقع التناسق بين حركة الإنسان وحركة الكون الذي يعيش فيه ، وتأخذ الشريعة التي تنظم حياته طابعا كونيا ، ويتعامل بها لا مع نفسه فحسب ، ولا مع بني جنسه فحسب ! ولكن كذلك مع الأحياء والأشياء في هذا الكون العريض ، الذي يعيش فيه ، ولا يملك أن ينفذ منه ، ولا بدّ له من التعامل معه وفق منهاج سليم قويم . ثم إنه المنهج الوحيد الذي يتحرر فيه الإنسان من العبودية للإنسان . . ففي كل منهج - غير المنهج الإسلامي - يتعبد الناس الناس . ويعبد الناس الناس . وفي المنهج الإسلامي - وحده - يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده بلا شريك . . إن أخص خصائص الألوهية - كما أسلفنا - هي الحاكمية . . والذي يشرّع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم مكان الألوهية ويستخدم خصائصها . فهم عبيده لا عبيد اللّه . وهم في دينه لا في دين اللّه . والإسلام حين يجعل الشريعة للّه وحده ، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده ، ويعلن تحرير الإنسان ، بل يعلن « ميلاد الإنسان » . . فالإنسان لا يولد ، ولا يوجد ، إلا حيث تتحرر رقبته من حكم إنسان مثله ؛ وإلا حين يتساوى في هذا الشأن مع الناس جميعا أمام رب الناس . . إن هذه القضية التي تعالجها نصوص هذا الدرس هي أخطر وأكبر قضايا العقيدة . .