سعيد حوي
1396
الأساس في التفسير
ولم يكن بد أن يكون « دين اللّه » هو الحكم بما أنزل اللّه دون سواه . فهذا هو مظهر سلطان اللّه . مظهر حاكمية اللّه . مظهر أن لا إله إلا اللّه . وهذه الحتمية : حتمية هذا التلازم بين « دين اللّه » و « الحكم بما أنزل اللّه » لا تنشأ فحسب من أنّ ما أنزل اللّه خير مما يصنع البشر لأنفسهم من مناهج وشرائع وأنظمة وأوضاع . فهذا سبب واحد من أسباب هذه الحتمية . وليس هو السبب الأول ولا الرئيسي . إنما السبب الأول والرئيسي ، والقاعدة الأولى والأساس في حتمية هذا التلازم هي أن الحكم بما أنزل اللّه إقرار بألوهية اللّه ، ونفي لهذه الألوهية وخصائصها عمن عداه وهذا هو « الإسلام » بمعناه اللغوي : « الاستسلام » . وبمعناه الاصطلاحي كما جاءت به الأديان . . الإسلام للّه . . والتجرد عن ادعاء الألوهية معه ، وادعاء أخص خصائص الألوهية ، وهي السلطان والحاكمية وحق تطويع العباد وتعبيدهم بالشريعة والقانون . ولا يكفي إذن أن يتخذ البشر شرائع تشابه شريعة اللّه أو حتى شريعة اللّه نفسها بنصها ، إذا هم نسبوها إلى أنفسهم ، ووضعوا عليها شاراتهم ؛ ولم يردوها للّه ؛ ولم يطبقوها باسم اللّه ، إذعانا لسلطانه واعترافا بألوهيته . وبتفرده بهذه الألوهية . التفرد الذي يجرد العباد من حق السلطان والحاكمية ، إلا تطبيقا لشريعة اللّه ، وتقريرا لسلطانه في الأرض . ومن هذه الحتمية ينشأ الحكم الذي تقرره الآيات في سياق السورة : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ . . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ . . ذلك أن الذين لا يحكمون بما أنزل اللّه يعلنون رفضهم لألوهية اللّه - سبحانه - ورفضهم لإفراد اللّه - سبحانه - بهذه الألوهية . يعلنون هذا الرفض بعملهم وواقعهم وألسنتهم . ولغة العمل والواقع أقوى وأكبر من لغة الفم واللسان . ومن ثم يصمهم القرآن بالكفر والظلم والفسق ، أخذا من رفضهم لألوهية اللّه ، حين يرفضون حاكميته المطلقة ؛ وحين يجعلون لأنفسهم خاصة الألوهية الأولى فيشرعون للناس من عند أنفسهم ما لم يأذن به اللّه » . وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ . أي القرآن بِالْحَقِّ . أي : بسبب الحق وإثباته وتبيين الصواب من الخطأ ، أو بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند اللّه مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ . أي : يصدّق الكتب التي تقدمته نزولا ، وإنما قيل لما قبل الشئ هو بين يديه ، لأن ما تأخر عنه يكون وراءه وخلفه ، فما تقدم عليه يكون قدامه